فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

اذهب الى الأسفل

فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 1:28 am

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
   الحمد لله رب السموات و الارضين ، ورب الأولين والآخرين  ، بارئ النسم وذراي الأمم ، محصي عددهم ، وراقب رصدهم ، مستنسخ أعمالهم و أقوالهم ، ومسمي آجالهم ، و جامعهم ليوم الجمع لا ريب فيه ، و موفيهم أجورهم ولا يُظلًم عند ربك أحدا ، وصلى الله على محمد وآله صلاة ينجز بها لم ما وعد ، انه لا يخلف الميعاد .
أما بعد :
   إذا كان التاريخ يعني سجل حوادث الأيام و الأزمان و الدهور ، وما مر على الأمم و البلدان و الشعوب من تغير الأحوال أو مصارع الآجال ، أو مداولة الأيام بينهم بين فاتح و مفتوح وآكلٍ ومأكول ، وإذا شهد تاريخ الأمم بضعة مواقف من رجحان العقول ، و تحالف الفضول، وتلاقح الأصول ، فان فلسفة التاريخ تبحث في ما وراء الحدث ، ومجرى الحدث ، من كيفية ونوعية ، وهل من نظام يتحكم بعوادي الدهر و نوائبه ! وجيشان فتنه و مصائبه ! وعمران الأرض وخرابها ، و ربيع  الأنفس و عذابها !
  أم هي العشوائية والاعتباطية ! أم هو التربص واقتناص الفرص ! أم هي حيلة المقهور .. التمسكن و التعامي حتى يغفل القاهر ! أم هي المصادفات ، وليتني أصادف مصادفة واحدة أقيم بها الأود ، و اُجهش بها العدد ، و اُشفي صدور الأحرار و الأخيار من الكمد . ولكن .. هيهات ورب العرش العظيم ، فكل شيء عنده بمقدار .
    ولقد فكرت لبعض الوقت ، أن اسلك سبيل من هم من بين يدي و من قبلي ، من باحثين و مفكرين و كتاب ، واستعرض خوض الخائضين في فلسفة التأريخ ، وفطاحل الترف الفكري ، و تجديف العصافير المبللة لانتشال تيتانك التاريخ من أمواج المحيط وجبال الجليد ، كتقديم تقليدي للدخول إلى صلب الموضوع ، إنما أثناني عن ذلك ما هو قائم بالفعل ، وذلك إرهاق فكر الطالب للمعرفة بالكثير من الكلام الذي لا يفضي إلى  المعرفة ، ولا يخلص منه إلى استخلاص الحكمة و اكتشاف الضوابط .
       ومن هنا فإننا سنتجاهل كل التنظيرات البائسة و منظريها من السابقين أو المعاصرين ، إذ سينكشف لنا أن ( فلسفة التاريخ ) المعروفة اليوم ، لا تعدو كونها آراء سياسية ثبت فسادها ، أو تحليلات سطحية ثبت سرابها ، أو توصيفات  ظنية ثبت عقمها .
    وإنما سبيلنا ومصباحنا وعلم الهدى الذي نهتدي به إلى معرفة حقيقة التاريخ و فلسفته ، هو فيلسوف الفلاسفة ، وعبقري العباقرة ، الذي لا يقول ضنا ولا غلطا ولا شططا ولا توقعا ولا احتمالا ، ولا ينحرف عن الحق يمينا ولا شمالا ، ذلك هو المخبر بالكائنات قبل وقوعها ، و المفصّل للحوادث قبل حدوثها ، ومفسّر أسبابها ، ومبوّب أبوابها ، و محلّل مسيرتها ، و مسمّي قادتها ، وهم في أصلاب آبائهم لا تعلم الخلائق بهم أيولدون أم لا يولدون ؟ ذلك هو سيدنا و إمامنا الإنسان الذي خلقه الله قبل أن يخلق الدهور ، وما من دهرٍ مرّ على السموات والأرض إلا وهو فيه شيء مذكور1 ، ذاك هو الإنسان الذي خلقه الرحمن وعلّمه البيان ، ذاك ثاني خير الخلق و الخليقة ، العارف بالحقيقة وليس بعده حقيقة ، ذلك هو الذي خلقه الله مع رسوله خاتم الرسل ، خلقهم  من نور عظمته و خلق الناس من طينٍ لازب ، ذلك آية الله الكبرى علي بن أبي طالب عليه وعلى نبينا السلام .
   وقد قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام :
إني لأكتم من علمي جواهـره     كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتـتنا
 وقد تقدم في هــذا أبو حسنٍ     إلى الحسينِ ووصى قبلهُ الحسنا
 يا رب جوهر علم لو أبوح به     لقيل لي أنت ممن يعـبد الوثـنا
 ولَإستحلّ رجالٌ مسلمون دمي      يرونَ أقبـحَ ما يأتونَهُ حَسـنا
  
 
 وأما هو " الإمام علي عليه السلام " فقد قال :
لقد حزت علــم الأولين وإنني         ضنين بعلم الآخرين كتومُ
وكاشف أسـرار الغيوب بأسرها        وعندي حديثُ حادثٍ وقديمُ
وإني لقيــوم على كـل قيــم        محيطٌ بكل العالمين عليـمُ
    فمن هذا البحر الزاخر بعجائب العلوم وغرائبها ، وأصناف القرون ومراتبها ، وعالِم الاكوار و الأدوار  ، من النشأة الأولى إلى نفخة الصور ، نقدم لكم شيئا يسيرا مما كشفه الله لنا بفضله ، من فلسفة التاريخ عند علي بن أبي طالب عليه السلام ،  (  وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) 2 .
    وسنقدم هذا البحث في فصول ، فالفصل الأول : في مرجعيتنا الفكرية للبحث وما قيل فيها ، ودور التشكيك في الأسانيد لإبطال الحق دون جدوى .
 ثم الفصل الثاني في أساسيات معرفة وفهم المقادير الإلهية ، العلم و المشيئة والإرادة والقدر والقضاء والإمضاء .
 ثم الفصل الثالث ، نظرية التكوير والتكرير وفهمها من خلال فهم مرامي القرآن الكريم في المقارنات والدلالات .
 ثم الفصل الرابع ، شرح الأنظمة الكونية .
 ثم الفصل الخامس ، بأخذ عينة بحثية محددة من التاريخ لرقعة جغرافية محددة ، ودراستها وتحليلها في ضوء الموثوق من المصادر .
 ثم الفصل السادس : مقارنة هذه العينة البحثية ، مع عينة أخرى لإثبات نظرية ( التكوير و التكرير) التي استنبطناها من فكر الإمام علي عليه السلام وما يعضدها من الأحاديث النبوية الشريفة .
 ثم الفصل السابع : خلاصة استنتاج البحث .
 ثم خاتمة البحث : وقد  حرصنا على أن نجعلها متضمنة لآرائنا ، واستقراءنا ، واستشرافنا للمستقبل ، في ضوء الأدلة المحصلة لدينا ، فإننا جعلنا كل ذلك في الخاتمة ، لكي لا يحكم حكما مسبقا على ذلك ، قبل دراسة الأدلة ومعرفة الفكرة .
 
                           الفصل الأول :
 
    إن فلسفة التاريخ ـ بحسب الاصطلاح الشائع ـ تقوم أساسا وانتهاء على معرفة وفهم المقادير الإلهية ، ولقد كنا نضن بان انتشار الثقافة و التعليم عند أكثر الناس اليوم ، هو كفيل بان الناس تفهم  ما نقول من غير حاجة إلى إسفاف ولا حشو كلام ، ولا استعراض لمعومات أولية نفترض أن اغلب الناس تعرفها ، ولذا فإننا دأبنا على الدخول إلى لب الحقائق الجديدة التي تكشفت لنا ، على أساس أن ما نقدمه من جديد هو إضافة جديدة إلى تراكم علمي سبق من غيرنا مما تكلم به العلماء و المفكرين الذين ينهلون من علوم أهل البيت عليهم السلام ، ولكنهم لم يدركوا ما أدركنا ـ نقصد الظرف التاريخي ـ فلم ينكشف لهم ما انكشف لنا .
    ولكن تبين لنا أن اغلب الناس بحاجة إلى تبسيط ما نعده مفهوما و معلوما ، لذا نبتدئ بتبسيط أسس معرفة المقادير الإلهية ، التي أدت بنا إلى ما كشفنا عنه لأول مرة و قدمناه في الطبعة الأولى من كتاب (عولمتنا .. دولة الإمام المهدي "ع" ) عام 2004 م ، ولكنه بقي محدود الانتشار جدا بسبب تكاليف الطبع الباهظة علينا ، ومن ثم أعدنا طباعته بعد التوسع و التنقيح في طبعتين لاحقتين ، ولابد أن نبين المرة بعد المرة بان كل ما عندنا من فلسفة التاريخ هو من دراستنا لخطبتي البيان ، وتطنجية لأمير المؤمنين عليه السلام ، و الأحاديث النبوية الشريفة المصدقة و المفصلة لكلام أمير المؤمنين في هاتين الخطبتين الجليلتين، ودراستنا الفاحصة للتاريخ ومقارنته مع ما فيهما من حقائق .
    ولما كانت الناس مختلفة اشد الاختلاف في خطبة البيان و صحة نسبتها إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فسنذكر شيئا يسيرا مما قيل في هذه الخطبة ، و نورد اكبر قدر متيسر منها ، ثم ندخل في تفصيل الموضوع  و تبيان ما لم نبينه فيما سبق ، وبعدها نبين ما لم ينكشف من أسرار و مرامي مقطع واحد من الخطبة ، فكشفت عن ذلك خطبة تطنجية ، وهو ما يختص بكيفية وقوع الأحداث التاريخية الكبرى .
 
أقوال في خطبة البيان :
      سنورد في هذا الفصل شيئا يسيرا مما ورد في أمهات المصادر وعن العلماء و الحكماء ، بشأن خطبة البيان ، و الشروح التي شرحت الخطبة .
*  [ خطبة البيان ، من الخطب المشهورة نسبتها إلى أمير المؤمنين ( ع ) ولها نسخ مختلفة بالزيادة والنقصان ، والأتم منها يقرب من الخمسمائة بيت أنشاها بالكوفة كما في بعض رواياتها أو بالبصرة كما في أخرى ،
وقد أورد الشيخ على اليزدى الحائري في كتابه " الزام الناصب " ثلاث نسخ من هذا الخطبة ، ونقل إحدى تلك النسخ عن " الدر المنظم في السر الأعظم " تأليف محمد بن طلحة الشافعي المتوفى ( 652 ) ،
    ونسخة أخرى بخط درويش على بن جمال الدين المقرى كتبت سنة 923هج ، من وقف ابن خاتون في المكتبة الرضوية.
    وأورد السيد الشبر تمام هذه الخطبة في رسالته " علامات الظهور " وجملة من فقراتها مذكورة في " مشارق الأنوار " للبرسى لكن من غيران يسميها بخطبة البيان .
     وأورد القاضى سعيد القمى المتوفى بعد ( 1103) نسخة مختصرة من هذه الخبطة في شرحه لحديث الغمامة .
 وشرح المحقق القمى المتوفى ( 1231 ) بعض فقرات هذه النسخة التي نقلها    القاضي سعيد فيما يقرب من ثلاثة آلاف بيت بالفارسية ، وطبع الشرح في آخر " جامع الشتات " المذكور في ( ج 5 - ص 59 ) ، ولها شروح أخر .] 3
* [ وذكر الميرزا احمد في كتاب " كفاية المؤمنين " شرحه لخطبة البيان ،  ومن الشروح  " معالم التأويل والتبيان في شرح أسرار خطبة البيان " وسماه بعض ب‍ " ملكوت المعرفة في أسرار الولاية " وذكر أنه روى خطبة البيان المحدث الفيض الكاشاني والقاضي سعيد القمي في شرح التوحيد والسيد قطب الدين محمد المدفون في النجف في كتابه " فصل الخطاب " .
 وممن  شرح خطبة البيان الشيخ محمد بن الشيخ محمود دهدار الخفري الشيرازي. ] 4
* [ الشيخ عبد الرحيم بن محمد يونس الدماوندي في كتابه ( القضاء والقدر) حكى في أواخره بعض ما ذكر في بيان مرادات أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة البيان إلى أن قال : " وبما بيناه لك شرح الشيخ العالم الرباني ابن شهر أشوب المازندراني في شرح خطبة البيان ، وقريب منه ذهب محمد الشهرستاني في شرحه للخطبة ، وكثير من الناس لقلة تدبرهم قالوا أنها ليست منه عليه السلام " ، يظهر منه أن لابن شهر أشوب المتوفى سنة 588 هج شرح لخطبة البيان ، وكذلك يظهر منه أن للشيخ أبى الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني المتوفى سنة 548 هج شرح لخطبة البيان.]  5
* وممن شرحها ـ الشيخ الطوسي – في" شرح خطبة البيان الرياض 5 / 42" ] 6.
* [ وقد ازدحم على باب علي ( كرم الله وجهه ) الراسخون من العلماء ، والحاذقون من الحكماء ، فاخترت من أسراره ما سره أشمل ، والعمل به أكمل ، بعد أن قرأت سفر آدم ، وسفر شيث ، وسفر إدريس ، وسفر نوح ، وسفر إبراهيم ( عليهم الصلاة والسلام ) ، ثم طالعت كتاب ينبوع الحكمة لآصف بن برخيا بن شمويل ، وكتاب سر السر ، وكتاب الجمهرة والمصحف الخفي والعهد الكبير ، وكتاب الأجناس ، وكتاب اللوح والقلم ، ثم حللت رموز الخافية القمرية ، والخافية الشمسية ، إلى أن أشرقت في سماء روحانيتي شمس المعارف الإلهية والأسرار الذوقية ، مع فوائد شددت إليها الرحال ، وخدمت لأجلها الرجال . وقد ثبت عند علماء الطريقة ومشايخ الحقيقة بالنقل الصحيح والكشف الصريح أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) قام على المنبر بالكوفة وهو يخطب ، فقال : بسم اله الرحمن الرحيم ، الحمد لله بديع السموات والأرض وفاطرها ، وساطح المدحيات ووازرها ، ومطود الجبال وقافرها ، ومفجر العيون ونافرها ... إلى آخر الخطبة ] 7
* ( فإن اللوح المحفوظ إما الملك كما هو مذهب الصدوق وقد صرح به في كتاب الاعتقادات ، أو الروح المقدس لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) كما قال في خطبة البيان : أنا اللوح المحفوظ ) 8
* ( وما ورد في خطبة البيان عن أمير المؤمنين عليه السلام لعله منزل على هذا ) 9
      وفي تفسير الإمام العسكري المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، الصفحات الأربع الأولى مقاطع من خطبة البيان .
 
قولنا في خطبة البيان :
     أولا : إن لم تكن خطبة البيان للإمام علي بن أبي طالب ، فهي لرجل اعلم من علي بن أبي طالب ، وهو اعرف بالله من علي ، واشدّ اختصاصا بالله من علي ، واقرب منزلة إلى رسول الله من علي ، وأوقفه الله على أسرار الغيوب وطرق السموات و الأرض وما بينهما أكثر مما أوقف عليه علي بن أبي طالب ، فمن هو ؟
   وليت الذين ينكرون نسبتها إليه يدلوني على خاطبها لاتخذه إماما ، فيحشرني الله معه ، يوم يحشر الله كل اُناس بإمامهم .
ثانيا : كان قولنا والرأي الذي قدمناه في كتاب ( عولمتنا .. ) حول ضعف سند الخطبة ـ كما يقال ـ هو التالي نصا :
[ إن الروايات و الأحاديث الشريفة التي بناءاً على صحتها تبنى الأحكام الفقهية أو معرفة التشريعات أو تفاصيل الفرائض أو المناسك و الشعائر و ما شابه ذلك ، لا بدّ من التشدّد ألسندي للتأكّد من صحّة صدورها عن المعصومين (ع) أو عرضها على الكتاب الكريم كما أمر بذلك رسول الله (ص) في حال توفر المقدرة العلمية للاستنباط ، و أما الروايات أو الأحاديث أو الخُطب التي تتحدث عن أخبار الزمان المقبل أو الملاحم و الفتن ولا علاقة لها بالحلال و الحرام ، فان التشكيك  بالسند يصبح غير موضوعي  إذا كانت هناك روايات و أحاديث أخرى صحيحة السند تعطي نفس المضمون و نفس المعنى ولا يوجد أي اختلاف بين  المضامين ، و أما ما هو متحقق في الواقع و تأويله قد جاء ، فلا معنى للتشكيك بالسند ولا يمكن طرح الرواية أو الحديث جانبا شكّاً بصحة السند .
 و السؤال هنا هو: هل إن خطبة البيان تأولت أو تحققت أخبارها في الواقع ؟ فالجواب هو نعم وبكل تأكيد ، بما لا يقبل مجالا لصرف أخبارها يميناً أو شمالاً ، ولكن بشرط فهمها و فهم مغزاها و معرفة خصوصيتها .] 10 .
   هذا نص قولنا في ذلك الكتاب ، ووجدت مؤخرا قولا مطابقا و رأيا موافقا يقول به ( ابن خلدون ) وهو من هو بمنزلته عند الفلاسفة و المفكرين .
يقول ابن خلدون : [ إنما كان التعديل و التجريح هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية ، لان معظمها تكاليف إنشائية ، أوجب الشارع العمل بها متى ما حصل الظن بصدقها ، وسبيل صحة الظن : الثقة بالرواة بعدالة الضبط .
   وأما الأخبار عن الواقعات فلا بد في صدقها و صحتها من اعتبار المطابقة ، فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه ، وصار فيها ذلك أهم من التعديل ، و مقدما عليه ، إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط ، وفائدة الخبر منه ومن الخارج بالمطابقة .
   وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، و الصدق من الكذب ، بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه ] 11 .
   وكما بينا هناك شيئا يسيرا من العلوم الزواخر التي تزخر بها الخطبة فقد خصصنا هذا الكتاب لبيان فلسفة التاريخ عند أمير المؤمنين ، و كل ذلك من خلال المطابقة بين ما قاله الإمام علي عليه السلام في خطبيتي ( البيان ) و ( تطنجية )  وبين الوقائع التاريخية ، ويبين لكم في لب و ثمرة هذا الكتاب ، السنة المتوقعة لما وعد الله ، استنباطا من معرفة " تكوير الدهور و تكرار المقادير " التي كشف عنها أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخطبة .
ونجد انه من المناسب جدا أن نورد في هذا الفصل ما هو متيسر من خطبة البيان قبل الانتقال إلى الفصل الثاني :
خطبة البيان
بسم الله الرحمن الرحيم
[   الحمد لله بديع السوات وفاطرها ، و ساطح المدحيات و قادرها ، وموطد الجبال و ثاغرها ، و مفجّر العيون و باقرها ، و مرسل الرياح وزاجرها ، و ناهي القواصف و آمرها ، و مزين السماء و زاهرها ، و مدبر الأفلاك و مسيّرها ، و مقسّم المنازل و مقدّرها ، و مولج الحنادس و منوّرها ، و محدث الأجسام ومقرّرها ، وبارئ النسم و مصوّرها ، ومنشئ السحاب و مسخّرها ، و مكوّر الدهور و مكرّرها ، و مورد الأمور و مصْدٍرُها ، و ضامن الأرزاق و مدبرها ، و مُنشئ الرُفات و مُنشٍرها ، احمده على آلائه و توافرها ، واشكره على نعمائه و تواترها ، و اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له تؤدي إلى الإسلام ذاكرها ، و يؤمًنُ من العذاب ذاخرها ، و اشهد أن محمدا عبده الخاتم لما سبق من الرسالة و فاخرها ، و رسوله الفاتح لما استُقبٍل من الدعوة و ناشرها " صلى الله عليه وآله" ، ، أرسله إلى أمة قد شغر بعبادة الأوثان شاغرها ، فأبلغ في النصيحة وافرها ، وأنار منار أعلام الهداية ومنابرها ، ومحا بمعجز القرآن دعوة الشيطان ومكاثرها ، وأرغم معاطيس غواة العرب وكافرها ، حتى أصبحت دعوته الحق بأول زائرها ، وشريعته المطهرة إلى المعاد يفخر فاخرها ( صلى الله عليه وعلى آله ) الدوحة العليا وطيب عناصرها  .
   أيها الناس سار المثل ، وحقق العمل ، وتسلمت الخصيان ، وحكمت النسوان ، واختلفت الأهواء ، وعظمت البلوى ، واشتدت الشكوى ، واستمرت الدعوى ، وزلزلت الأرض ، وضيع الفرض ، وكتمت الأمانة ، وبدت الخيانة ، وقام الأدعياء ، ونال الأشقياء ، وتقدمت السفهاء ، وتأخرت الصلحاء ، وازور القران ، واحمر الدبران ،  وكملت الفترة , وسّدت الهجرة , وعزّت الكسرة وغمرت الغمرة , وظهرت الأفاطس , فحسمت الملابس , يؤمهم الكساكس , ويقدمهم العساعس , فيكدحون الجزائر , ويقدحون العشائر , ويملكون السرائر , ويهتكون الحرائر , ويجيئون الكيسان , ويخربون خراسان , ويفرقون الجليسان , ويلحون الرويسان , ويهدمون الحصون , ويظهرون المصون , ويقطفون الغصون , ويفتحون العراق , ويمتحون الشقاق , ويثيرون النفاق , بدمٍ يراق , فآه ثم آه لعريض الأفواه , وذبول الشفاه .
  ثم التفت يمينا وشمالا ، وتنفس الصعداء ملالا ، وتأؤه خشوعا ، وتغير خضوعا ،  فقام إليه سويد بن نوفل الهلالي فقال : يا أمير المؤمنين أنت حاضر بما ذكرت وعالم به ! فالتفت إليه بعين الغضب وقال له : ثكلتك الثواكل ، ونزلت بك النوازل ، يا ابن الجبان الجابث ، والمكذب الناكث ، سيقصر بك الطول ، ويغلبك الغول ، أنا سر الأسرار ، أنا شجرة الأنوار ، أنا دليل السموات ، أنا أنيس المسبحات ، أنا خليل جبرائيل ، أنا صفي ميكائيل ، أنا قائد الأملاك ، أنا سمندل الأفلاك ، أنا سرير الصراح ، أنا حفيظ الألواح ، أنا قطب الديجور ، أنا البيت المعمور ، أنا مزن السحائب ، أنا نور الغياهب ، أنا فلك الحجج ، أنا حجة الحجج ، أنا مسدد الخلائق ، أنا محقق الحقائق ، أنا مأول التأويل ، أنا مفسر الإنجيل ، أنا خامس الكساء ، أنا تبيان النساء ، أنا الفة الإيلاف ، أنا رجال الأعراف ، أنا سر إبراهيم ، أنا ثعبان الكليم ، أنا ولي الأولياء ، أنا ورثة الأنبياء ، أنا أوريا الزبور ، أنا حجاب الغفور ، أنا صفوة الجليل ، أنا إيليا الإنجيل ، أنا شديد القوى ، أنا حامل اللوا ، أنا إمام المحشر ، أنا ساقي الكوثر ، أنا قسيم الجنان ، أنا مشاطر النيران ، أنا يعسوب الدين ، أنا إمام المتقين ، أنا وارث المختار ، أنا ظهير الإظهار ، أنا مبيد الكفرة ، أنا أبو الأئمة البررة ، أنا قالع الباب ، أنا مفرق الأحزاب ، أنا الجوهرة الثمينة ، أنا باب المدينة ، أنا مفسر البينات ، أنا مبين المشكلات ، أنا النون والقلم ، أنا مصباح الظلم ، أنا سؤال متى ، أنا ممدوح بهل أتى ، أنا النبأ العظيم ، أنا الصراط المستقيم ، أنا لؤلؤ الأصداف ، أنا جبل قاف ، أنا سر الحروف ، أنا نور الظروف ، أنا الجبل الراسخ ، أنا العلم الشامخ ، أنا مفتاح الغيوب ، أنا مصباح القلوب ، أنا نور الأرواح ، أنا روح الأشباح ، أنا الفارس الكرار ، أنا نصرة الأنصار ، أنا السيف المسلول ، أنا الشهيد المقتول ، أنا جامع القرآن ، أنا بنيان البيان ، أنا شقيق الرسول ، أنا بعل البتول ، أنا عمود الإسلام ، أنا مكسر الأصنام ، أنا صاحب الإذن ، أنا قاتل الجن ، أنا صالح المؤمنين ، أنا إمام المفلحين ، أنا إمام أرباب الفتوة ، أنا كنز أسرار النبوة ، أنا المطلع على أخبار الأولين ، أنا المخبر عن وقائع الآخرين ، أنا قطب الأقطاب ، أنا حبيب الأحباب ، أنا مهدي الأوان ، أنا عيسى الزمان ، أنا والله وجه الله ، أنا والله أسد الله ، أنا سيد العرب ، أنا كاشف الكرب ، أنا الذي قيل في حقه " لا فتى إلا علي " أنا الذي قال في شأنه " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " ، أنا ليث بني غالب ، أنا علي بن أبي طالب .
 قال : فصاح السائل صيحة عظيمة وخر ميتا . فعقب أمير المؤمنين ( كرم الله وجهه ) كلامه بان قال :
 الحمد لله بارئ النسم ، وذارئ الأمم والصلوات على الاسم الأعظم ، والنور الأقدم ، محمد وآله وسلم . ثم قال : سلوني عن طرق السماء فاني أعلم بها من العالم بطرق الأرض ، سلوني قبل أن تفقدوني ، فان بين جنبي علوما كثيرة كالبحار الزواخر . فنهض إليه الرسخ من العلماء ، والمهرة من الحكماء ، وأحدق به الكمل من الأولياء والندر من الأصفياء ، يقبلون مواطئ قدميه ، ويقسمون بالاسم الأعظم عليه ، بان يتم كلامه ، ويكمل نظامه . فقال بحر الراسخين ، وحبر العارفين ، الإمام الغالب علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) :
    يظهر صاحب الراية المحمدية ، والدولة الاحمدية ، القائم بالسيف " والحال الصادق في المقال ، يمهد الأرض ، ويحيى السنة والفرض . ثم قال : أيها المحجوب عن شأني ، الغافل عن حالي ، إن العجائب آثار خواطري ، والغرائب أسرار ضمائري ، لأني قد خرقت الحجاب ، وأظهرت العجاب ، وأتيت بالباب ، ونطقت بالصواب ، وفتحت خزائن الغيوب ، وفتقت دقائق القلوب ، وكنزت لطائف المعارف ، ورمزت عوارف اللطائف ، فطوبى لمن استمسك بعروة هذا الكلام ، وصلى خلف هذا الإمام ، فانه يقف على معاني الكتاب المسطور ، والرق المنشور ، ثم يدخل إلى البيت المعمور ، والبحر المسجور ، ثم أنشد يقول :
 لقد حزت علم الأولين وإنني    * ضنين بعلم الآخرين كتوم
 وكاشفت أسرار الغيوب بأسرها * وعندي حديث حادث وقديم
وإني لقيوم على كل قيم        * محيط بكل العالمين عليم
 ثم قال : لو شئت لاوقرت من تفسير الفاتحة سبعين بعيرا . ثم قال : ( ق والقرآن المجيد ) كلمات خفيات الأسرار ، وعبارات جليات الآثار ، ينابيع عوارف القلوب ، من مشكاة لطائف الغيوب ، لمحات العواقب كالنجوم الثواقب ، نهاية الفهوم بداية العلوم ، الحكمة ضالة كل حكيم ، سبحان القديم يفتح الكتاب ، ويقرأ الجواب ، يا أبا العباس أنت إمام الناس ، سبحان من يحيي الأرض بعد موتها ، ويرد الولايات إلى بيوتها ، يا منصور تقدم إلى بناء الصور ، ذلك تقدير العزيز العليم .]
     وهذا آخر ما سمعته من لفظه النوراني ، وأضبطه من كلامه الروحاني في هذا الباب : قال النبي ( ص ) : أنا مدينة العلم وعلي بابها ) 12
 
    ولقد ذكرت المصادر المختلفة ثلاثة نصوص مختلفة لهذه الخطبة الجليلة ، ذلك انه عليه السلام خطبها أكثر من مرة ، فمرتين بالبصرة ، ومرة بالكوفة ، وفي كل خطبة يأتي بجديد من عجائب علمه وغرائب ما آتاه الله من عظيم فضله ، وليس هذا البحث مختص بها ولا بكل علومها ، وإنما يتعلق فقط بمسيرة التاريخ إلى قيام الساعة ، ولذلك فإننا لا نذكرها بكل فصولها ، وإنما أخذنا منها ما أخذنا  من مصدرين فقط ، لما له علاقة بالجانب التاريخي لهذا البحث .
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 1:41 am

الفصل الثاني
 
      إننا لا يمكن أن نفهم فلسفة التاريخ ما لم نفهم ـ بشكل مبسّط ـ كيف  خلق الله الخلق وكيف يدبر شؤون ملكه وممالكه وأية نظم تحكمها وأين الغاية التي سينتهي إليها ، وهل يحكم الكون نظام واحد ، وهل ما يجري في السماء له علاقة بما يجري في الأرض ولماذا تختلف الأمم ؟ وأمور ستتكشف لنا بالتدريج سنحاول الإجابة عليها إن شاء الله . ولكن لا يمكن نفهم شيئا بدون أن نفهم العلم و المشيئة و الإرادة و القدر و القضاء و السنن و الأمثال ، حيث أن سبب اختلاف الناس هو بسبب سوء فهمهم لهذه المفاهيم العميقة التي لا يدركها عقل المخلوق ولكن يمكن أن يفهما بضرب الأمثال ، وما التوفيق إلا من عند الله .
    وحيث أن أفعال الله سبحانه لا تشبه أفعال المخلوقين ، فتبقى هذه الأمثال مجرد صورة تقريبية للفهم ، ثم بمجرد الفهم يجب محوها من الذهن والارتقاء بطاقات العقل إلى ما لا يمكن إدراكه بالواقع المحسوس.
    وسنضرب مثلا جامعا لكل هذه المفاهيم و تقريبها إلى الصورة العقلية ، ثم نفصل كل أمر و كل مفهوم و نبين حقائقه بشكل مستقل ، لكي لا يحصل التباس في الفهم و خلط بين المفاهيم .
مثال  : لنفترض أن رجلا عالما و خبيرا و حكيما شاء إن يقيم مشروعا صناعيا ، لصناعة أجهزة كهربائية أو اليكترونية مثلا ( كالتلفاز أو الحاسبات ) ، فهو عالم بما يريد .
    ( بمعنى : انه لا يمكن إن يأتي عامل بناء أو حداد أو نجار ويريد أن ينشأ مصنعا للمعدات الاليكترونية ، فما يفكر ـ وربما في بعض الحالات ـ يخطط له عامل البناء أو الحداد أو النجار ، هو إنشاء ورشة فنية لمواد البناء وآلاته أو آلات الحدادة أو النجارة ، لأنه يعلمها أو له بها بعض العلم والخبرة ، فكل من يشاء أن ينشأ مصنعا أو مشروعا صناعيا ، لابد أن يكون عالما بما يشاء ، وإلا فلا تكون مشيئة أصلا ).
    ولا بد أن تكون له خبرة بكيفية صناعة هذه الأجهزة و المواد اللازمة لصناعتها والموارد المالية اللازمة ، وكيفية استخدامها ، و المنشآت و المباني التي يتطلبها المشروع ، و الأيدي العاملة و الكفاءات العلمية التي يحتاج إليها ، وله خبرة في كيفية صيانتها ، وكيفية تسويقها ، لكي لا يكون المشروع عبثيا ، بل مشروعا يدل على حكمة صاحبه ، فان ورود الفكرة على خاطره تمثل مشيئته .
    إن هذا المثل يعني أن كل شيء قائم أساسا و ابتداء على العلم أولا ، فلو لم يكن لصاحب المشروع هذا ، علم بما يريد أن يفعل ، لم يكن ليخطر على باله هذا المشروع ـ بمعنى انه لم يكن ليشاء أن يفعل ذلك ـ بما انه حكيم لا يعبث ولا يقحم نفسه بما لا علم له به .
    فإذا لم يكن هناك ما يمنعه من تنفيذ هذه الفكرة ( المشروع ) من قدرة مالية أو مادية أو إمكانيات علمية و بشرية ( أيدي عاملة ) أو وجود المواد الأولية اللازمة لقيام مشروعه ، أو توفير الطاقة اللازمة لتشغيله وغير ذلك من الموانع ، فانه ينتقل إلى مرحلة الإرادة : وهي العزم على الفعل و اتخاذ القرار بتنفيذ هذا المشروع ، فإذا أراد ووقعت الإرادة ، عندها ينتقل إلى المرحلة الأهم ، وهي مرحلة القدر أو التقدير ، ثم مرحلة القضاء ثم الإمضاء ، ولأهمية هاتين المرحلتين سنتناولهما بتفصيل أكثر :
 القدر أو التقدير :
إن القدر أو التقدير ، ومنه المقادير الإلهية : تعني المخططات الإلهية .
فما الذي نقصده بالمخططات الإلهية  ؟
     لقد استخدم السيد الشهيد محمد صادق الصدر مصطلح ( التخطيط الإلهي ) كثيرا في الموسوعة ، ولكن السيد الصدر يتكلم بعلم الكلام ، ونحن نتكلم بعلم مختلف وهو علم تقني و أكاديمي لا علاقة له بعلم الكلام ، ففي حين يعني التخطيط فيما يعني : وضع الاستراتيجيات ورسم السياسات ، فان المخططات الإلهية أمر مختلف كليا عن هذا المفهوم وهذا المعنى ، ومن اجل توضيح المقصود نجد أننا نضطر إلى ضرب الأمثلة التوضيحية ليفهم القارئ ما نعنيه .
     إن كل المعدات الاليكترونية ( بشكل خاص ) لا تتم صناعتها إلا  بخطوات متعددة ، وهي بشكل عام تكون بمرحلتين منفصلتين لا علاقة لأحدهما بالأخرى من حيث التخصّص ، فالمرحلة الأولى وهي والاهم : هي تصميم المخططات الكتلوية ، وهذه المخططات يقوم بتصميمها مهندسون أخصائيون يقومون بتجارب عديدة جدا و اختبارات عديدة جدا حتى يتوصلوا إلى اكتشاف أفضل مخطط لتصميم هذه المعدات لكي تكون نافعة للهدف والغاية التي يتوخونها من عملهم ، وعادة تكون هذه المخططات الكتلوية ـ بحسب الاصطلاح العلمي ـ متكونة من مجموعة كبيرة من الخرائط الاليكترونية ، ثم ترتبط هذه المجموعات فيما بينها فتشكل وحدات ، ثم منظومات تتحد و تتناسق ليصل بها المهندسون المصممون إلى الهدف النهائي ، وهذا الأمر ينطبق على منظومات إطلاق الصواريخ ، والرادارات ، والحاسبات الاليكترونية ، وغير ذلك .
     إن الأمر المهم في هذه المخططات ، والذي يختلف عن ( التخطيط ) ، هو أن المخططات لا تحتمل نسبة خطأ ولا واحد بالمليون ، فان وضع أي مكون في غير محله ، أو الغفلة عن وجود هذا المكون ، فان المخطط فاشل ، فكل خارطة تتكون من مجموعة كبيرة من المكونات ، مثل (الترانزستورات و المكثفات و المتسعات و الدايودات و المقاومات) وغير ذلك ، فعدم وضع أي مكون في غير مكانه الصحيح يجعل المخطط غير صالح و غير نافع ، بل كأنه غير موجود ، ولذلك فان نسبة الخطأ يجب أن تكون صفرا ، وهذا الأمر لا يتحصل إلا بالخبرة الطويلة و المتقنة ، و التجارب التي تؤدي في النهاية إلى حصول خبرة لطيفة و مبدعة و متفننة في تصميم المخطط و الوصول به إلى الكمال و النجاح ـ وهنا نريد أن نسجل في ذاكرة القارئ معنى وصف الله تعالى لنفسه المقدسة بقوله تعالى ( وهو اللطيف الخبير ) .
    فلو تخلصنا من هذا المثل لرجل محدود القدرات و الإمكانيات و وضعنا في تصورنا أن ملكا عظيما أو دولة متقدمة هي صاحبة المشروع
فان هذه المرحلة ـ والتي تسمى في علم الإدارة " الهيكلية" ـ فان مخططاتها يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أن تضع مخططات متكاملة تبدأ من أول المباشرة بصناعة المواد الأولية ثم صناعة المعدات ، والى كيفية إعادة هذه المعدات بعد استهلاكها واندثارها ، إلى مواد أولية تعيد دورتها الصناعية عود على بدء ، بحيث تبقى عملية الصنع ( أو الخلق ) عملية مستمرة يعود فيها كل شيء إلى أوليته ، ثم تبدأ عملية خلق جديد أو صناعة جديدة من نفس المواد الأولية ، فإذا كانت هذه الدولة منظمة بشكل متقدم جدا ، فلا بد أن تضع حدودا زمنية لكل شيء ، بحيث يدخل ذلك كله في ضمن المخططات من خلال تقدير أعمار هذه المعدات ، والزمن اللازم لإعادة تصنيعها أو خلقها من جديد ، وهذا ما موجود فعلا عند الكثير من المؤسسات الصناعية الكبرى .
   أما المرحلة الرابعة وهي " القضاء : فهي إعطاء هذا المخطط الكتلوي إلى الشركات المصنعة التي تقوم بتنفيذ المخطط صناعيا ، وفي واقع المثال ، فانه ليس من الضرورة أن تكون هذه الشركات المصنعة تعلم بالضرورة ماذا تفعل هذه المعدات و كيف تعمل و لأي هدف ستستخدم ، لان عملها مستقل و إبداعها متخصص في أمر آخر غير المخططات ، فهي منفذة فقط .
    وهذا يعني أن المرحلة الأهم و الأدق و التي تتطلب قدرا كبيرا من العلم و الإبداع و التفنن و الخبرة العالية : هي المخططات ، وهنا نريد أن نسجل في ذهن القارئ المعنى الدقيق الذي يعنيه قوله تعالى ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) ، (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ )  . وهذا في حال وجود قصور وعجز عند الجهة المصممة للمخططات ، أي عدم وجود (القدرة ) بمعنى الاستطاعة .
     إما لو كانت الجهة المصممة للمخططات هي ذات الجهة المصنعة و المنفذة لها ، فان عملية الإبداع و التفنن و الكمال تكون في أعلى درجاتها ، لأنها تزداد خبرة و إحاطة ، وتستثمر اكبر قدر من العلم المتراكم لديها لصنع مخططاتها ، أو ( خلق مخططاتها ) بأحسن وجه و أحسن صورة ، بحيث لا يضاهيها صنع آخر أو ( خلق آخر ) ، وهنا نريد أن نسجل في ذهن القارئ معنى قوله تعالى ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ  ) .
   وقوله تعالى (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ )  . فان " بعلا " هذا ليس الصنم المعروف في حقيقة ما تشير إليه الآية ، بل هم في آخر الزمان المقصود بهم عبيد الآلات الصناعية و المعدات التكنولوجية ، وذلك أن الله سبحانه لا يفترض  ولا يعلم بوجود خالقين آخرين ، ليضع نفسه في مقارنة معهم ، فيكون أحسنهم !
إما المرحلة النهائية فهي مرحلة الإمضاء :
     فبعد إن تم التقدير ثم القضاء بالتنفيذ الفعلي في ( الخلق) ، تأتي المرحلة النهائية وهي مرحلة الإمضاء ، وهو يعني حسب المثل المضروب : إدخال هذه المعدات في الخدمة الفعلية ، و إخراجها من الخفاء إلى الظهور و العيان ، و تعليم الكوادر العاملة عليها كيفية استخدامها . 
    إن الله سبحانه و تعالى يضرب لنا الأمثال في القرآن الكريم لتقريب الصورة إلى أذهاننا و عقولنا لنتفكر و نتدبر و نفهم ، ويبقى كل مثل نضربه هو دون ما يقوله و ما يشرحه أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فإننا لا يمكن أن نرقى إلى كلامهم المختصر و المفصل بنفس الوقت ، ولذا فإننا نعود إلى الأصل الصحيح ، و نرى ما يقول أئمة أهل البيت عليهم السلام :
عن الصدوق قال : حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق عن محمد بن يعقوب عن الحسين ابن محمد عن معلي بن محمد قال سأل "العالم عليه السلام" : كيف علم الله ؟ قال عليه السلام : ( علم ، وشاء، وأراد ، وقدر، وقضى، وأبدى فأمضى ما قضى ، وقضى ما قدر، وقدر ما أراد ، فبعلمه كانت المشيئة ، وبمشيئته كانت الإرادة ، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء ، وبقضائه كان الإمضاء ، فالعلم متقدم على المشيئة ، والمشيئة ثانية ، والإرادة ثالثة ، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء .
    فالعلم بالمعلوم قبل كونه ، والمشيئة في المنشأ قبل عينه ، والإرادة في المراد قبل قيامه ، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عيانا وقياما، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات ، والله يفعل ما يشاء .
   وبالعلم علم الأشياء قبل كونها، وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها ، وانشأها قبل إظهارها، وبالإرادة ميز أنفسها في ألوانها وصفاتها وحدودها ، وبالتقدير قدر أقواتها وعرف أولها وأخرها ، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلهم عليها، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها ، وذلك تقدير العزيز العليم .) .
  ويمكن للقارئ أن يلاحظ أن مثالنا و شرحنا هو مستمد من هذه الرواية العميقة المعنى ، ففي قوله عليه السلام (وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها ) أي إن الله سبحانه أبان لنا كيف تجري الأمور ، وغرز ذلك في غرائزنا وهدانا لان نتدبره بعقولنا ، فلا يمكن أن تقف في طريق شاحنة مسرعة مثلا  وتقول ( إذا قدّر الله لي أن أموت فسوف أموت وإلا  فلا ) لان الله دلّك وعرّفك بأن هذه الشاحنة قاتلة وعليك أن تجتنبها .
بالإضافة إلى الروايات الأخرى التالية :
 ( علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن إسماعيل بن مرار ، عن يونس بن عبد الرحمن قال : قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام : يا يونس لا تقل بقول القدرية فإن القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنة ولا بقول أهل النار ولا بقول إبليس فإن أهل الجنة قالوا : الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وقال أهل النار : ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين . وقال إبليس : رب بما أغويتني ، فقلت : والله ما أقول بقولهم ولكني أقول : لا يكون إلا بما شاء الله وأراد وقدر وقضى ، فقال : يا يونس ليس هكذا ، لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى .
 يا يونس تعلم ما المشيئة ؟
 قلت : لا ، قال : هي الذكر الأول .
 فتعلم ما الإرادة ؟ قلت : لا .
 قال : هي العزيمة على ما يشاء .
 فتعلم ما القدر ؟ قلت : لا ، قال : هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء  ، ثم قال : والقضاء هو الإبرام وإقامة العين .) .
     ولقد تكلم المتكلمون والفلاسفة على مر العصور و من مختلف الأديان والمدارس الفكرية في مواضيع المشيئة والإرادة والقدر والقضاء ، ولكنها لم تُفلح في إخراج أهلها من التناقضات ، حيث أن كلامهم ينقض بعضه بعضا ، ولم يوفق احد لشرح يقبله العقل السليم ، ولكن في كلام أهل البيت عليهم السلام البيان الشافي الذي يشرح الصدور لمعرفة حقائق هذه الأمور وتفاصيلها ، التي تجعل بين الجبر والتفويض منزلة أخرى أوسع مما بين السموات والأرض .
    فبسنده عن الإمام علي الرضا عليه السلام وقد سئل عن الجبر و الاستطاعة فأجاب السائل  : ( أكتب ، بسم الله الرحمن الرحيم ، قال علي بن الحسين : قال الله عزوجل : " يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء ، وبقوتي أديت إلى فرائضي ، وبنعمتي قويت على معصيتي ، جعلتك سميعا ، بصيرا ، ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، وذلك أني أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيئاتك مني ، وذلك أني لا اسأل عما أفعل وهم يسألون "  ، قد نظمت لك كل شئ تريد ). 
    ومن الظاهر من آيات القرآن الكريم إن إشكالية فهم هل أن الإنسان مسيَّر أم مخيَّر ؟ هل هو مجبر على الفعل أم أن الأمر مفوّض إليه ؟ هي إشكالية يثيرها الذين لا يفقهون مذ نزول القرآن و إلى اليوم ، حيث يقول تعالى ( وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ )  ، فقد فسرها الإمام علي بن الحسين (ع) بهذه البساطة التي لا لبس فيها ، فلا الإنسان يتحكم الله به بجهاز سيطرة عن بُعد و يجبره على الفعل و يحركه كالرسوم المتحركة أو كالإنسان أللآلي ( الروبوت) ، ولا هو الفالت من قبضة الله و يتصرف بملك الله و عباد الله بما يشتهي ، فيكون الله مغلوبا على أمره و يُعص دون إرادته ، ومن هنا يقول أئمة أهل البيت عليهم السلام بـ ( أمر ما بين أمرين ، لا جبر و لا تفويض) ، ولا مشيئة إلا بمشيئة الله ، ولا إرادة إلا بإرادة الله ، حيث يقول تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا*) ، ويقول تعالى (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وما تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ*) 
    فلو لم يشأ الله مثلا  أن يدعوا إبراهيم (ع) بان يبعث الله في الآخرين من ذريته رسولا منهم يعلمهم الكتاب و الحكمة ، لم يشأ إبراهيم ذلك (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)  ، ولو لم يشأ الله أن يدعو إبراهيم ربه بان يجعل له لسان صدق في الآخرين ، لم يشأ إبراهيم ذلك ، ولو لم يشأ الله أن يلعن داود و عيسى بن مريم ، الذين كفروا من بني إسرائيل ، لم يشأ داود ولا عيسى ذلك ، ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) ، وهكذا ، فان مشيئة العباد هي من أو بـ ( مشيئة الله ) .
     وفي إجابة الإمام الصادق عليه السلام لسائل ‘ يفصل الإرادة إلى أنواع وهي إرادة ألحتم و إرادة الاختيار ، ويتحدث عن الآلات في جسم الإنسان التي هي المسئولة عن الاختيار .
 ( بسنده ، عن صالح النيلي قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام : هل للعباد من الاستطاعة شئ ؟ قال : فقال لي : إذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها الله فيهم ، قال : قلت : وما هي ؟ قال : الآلة ، مثل الزاني إذا زني كان مستطيعا للزنا حين زنى ، ولو أنه ترك الزنا ولم يزن كان مستطيعا لتركه إذا ترك ، قال : ثم قال : ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعا ، قلت : فعلى ماذا يعذبه ؟ قال : بالحجة البالغة ، والآلة التي ركب فيهم ، إن الله لم يجبر أحدا على معصيته ، ولا أراد - إرادة حتم - الكفر من أحد ، ولكن حين كفر كان في إرادة الله أن يكفر ، وهم في إرادة الله وفي علمه أن لا يصيروا إلى شئ من الخير . قلت : أراد منهم أن يكفروا ؟ قال : ليس هكذا أقول ، ولكني أقول : علم أنهم سيكفرون ، فأراد الكفر لعلمه فيهم ، وليست هي إرادة حتم ، إنما هي إرادة اختيار . ).
   وفي التوحيد للصدوق ( بسنده ، عن سفيان بن عيينة عن الزهري ، قال : قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام ، : جعلني الله فداك ، أبقدر يصيب الناس ما أصابهم أم بعمل ؟ فقال عليه السلام : إن القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد ، فالروح بغير جسد لا تحس والجسد بغير روح صورة لا حراك بها فإذا اجتمعا قويا وصلحا ، وكذلك العمل والقدر ، فلو لم يكن القدر واقعا على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق وكان القدر شيئا لا يحس ، ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر لم يمض ولم يتم ، ولكنهما باجتماعهما قويا ، ولله فيه العون لعباده الصالحين ثم قال عليه السلام : ألا إن من أجور الناس من رأى جوره عدلا وعدل المهتدي جورا ، إلا إن للعبد أربعة أعين : عينان يبصر بهما أمر آخرته ، وعينان يبصر بهما أمر دنياه ، فإذا أراد الله عزوجل بعبد خيرا فتح له العينين اللتين في قلبه فأبصر بهما العيب  وإذا أراد غير ذلك ترك القلب بما فيه ، ثم التفت إلى السائل عن القدر فقال : هذا منه ، هذا منه ).
    وفي الواقع فان هذا الكلام السهل والمبسط الذي يتكلم به أئمة أهل البيت عليهم السلام مع المؤمنين من شيعتهم ، ليفهموهم معنى المشيئة والإرادة والقدر و القضاء ، وأسبقية العلم عليها كلها ، فان لهم كلاما آخر أعلى مرتبة لمن هم افقه و أبصر ، وذلك مع خاصة شيعتهم ، وهو كلام يسع الناس جهله ولا يحاسبهم الله عليه إذا ما آمنوا به جملة دون التفصيل ، ومن هذا الكلام ما كان يتكلم به أمير المؤمنين عليه السلام مع أبي ذر و المقداد و سلمان و عمار و أمثالهم من أجلاء الصحابة ، وفي خطبه من هذا الكلام جواهر ولآلئ و مرجان متشعب يغور في أعماق القضايا ويحلق بالعقول في سماء المعرفة حتى يجعلك ترى الملكوت وأنت في مكانك فتكون من الموقنين ، ولكن بشرط أن تفتح قلبك و تصيخ بسمعك و تؤمن بان قدرة الله تعالى لا يحدها حد ، وهي فوق إدراك العقول .
     وهنا يبرز تساؤل آخر ، وهو هل أن الله سبحانه قد فرغ من كل شيء ، بحيث أنه لم يعد شائيا ولم يعد مريدا ولم يعد مقدرا ؟
. ويجاب على هذا التساؤل بمفهومين:
المفهوم الأول : هو الذي تتكلم عنه هذه الآية الشريفة ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ *) ، وهو أن الله سبحانه احتفظ لنفسه باتخاذ قرارات في أمور لم يتخذ فيها قرارا بعد ، وبحسب روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام ،فإنهم يقولون ( إن الله اشترط علينا البداء ) ، ولكن البداء ليس فيما وعد الله به وانزل به قرآنا ، ولكن فيما احتفظ به لنفسه عزوجل من مثل إخراج بعض أهل النار بشفاعة من ارتضى ، أو برحمة منه ( قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *) ، أو أمور أخرى لم يعلن عنها ولم يخبر بها .
المفهوم الثاني : هو انه تعالى خلق كل شيء بقدر (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ*)  ، وكل شيء قدره تقديرا ، ولكن هذا في الـ ( شيء ) ، إذ انه تعالى خلق كل شيء بعد إذ لم يكن شيء ، وأصبح هذا الشيء شيئا بعد إن قال له كن ، وقال له كن بعد إن قدره ، وقدره بعد عن أراد وعزم على ذلك ، وأراد ذلك بعد إن شاء ، ولكن هل توقف الله سبحانه عن الخلق و التوسع ؟
    فانه تعالى مازال خالقا وما زال مبدعا ، ومازال موجدا لشيء هو حتى الآن ليس بشيء ، وهذا يدل على أن التقدير في الـ ( شيء ) ، وأما الذي هو ليس بشيء بعد ، ففيه المشيئة والإرادة والتقدير .
  ولذلك عندما يقول تعالى ( لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* )   ، فإذا كان كل شيء هالك ـ وبغض النظر عن المعنى الباطن لـ ( وجه الله ) وماذا يعني ، فيشير إليه مرة أخرى في سورة الرحمن ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ* فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ* )  ، إذ يقول أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة ( أنا وجه الله )  ـ  إذن فيقول تعالى  ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ ) وكل شيء فان ، فعندما يفنى كل شيء ، هل سيبقى الله عزوجل وحده أم سيخلق شيئا جديدا من لا شيء ، كما خلق أول مرة ؟ فهذه الأمور بظاهر القرآن لم يتكلم عنها ، وملخص ذلك أن المشيئة والإرادة و التقدير والقضاء هي في الـ ( شيء ) الذي هو مخلوق فعلا .
   إننا بهذا الفهم المبسط والكلام المفسر بالأمثلة و الشرح البسيط ، يمكننا أن ننتقل إلى المرحلة الأهم في موضوع الكتاب ، وهو فلسفة التاريخ عند أمير المؤمنين عليه السلام التي تقوم على فهم القدر و ( المقادير الإلهية ) .
     ولكن قبل ذلك نجد انه من الضروري أن نلفت أذهان المؤمنين إلى أمر في غاية الأهمية ، ووجدنا أن كل من تكلم به من الفلاسفة و المفكرين و العلماء وخاصة المعاصرين ، نجد أنهم اخطئوا الفهم ، و البسوا الأمور على أنفسهم وعلى الناس ، وذلك هو الخلط بين السنن و بين المقادير و عدم التمييز بينهما ، وقد تناولنا هذا الموضوع مفصلا في كتاب ( عولمتنا .. دولة الإمام المهدي "ع" ) ، وبينا السنن الإلهية , ونعود هنا إلى تناول الأمر بشكل مبسط وواضح لقطع العذر .
 السنن و المقادير :
      إن الفلاسفة و المتكلمين الأوائل كانوا يستعينون بضرب الأمثلة الواقعية لشرح مفاهيمهم و نظرياتهم ، ولما كان واقعهم المادي هو واقع بسيط وغير مركب أو معقد ، فان جل الأمثلة التي دأبوا على ضربها أصبحت اليوم أمثلة هزيلة وساذجة لا تصلح  بالضرورة أن تكون حجة ، وكل ما كان متيسرا لهم من واقعهم البسيط هو ضرب الأمثال بـ ( الحرارة و البرودة ، والنار و الغليان ، وتفاحة نيوتن ، وصابونة غيره ) ومثل هذه الأمثلة التقليدية لم تعد صالحة ولا تلبي حاجة العقول .
   إما الوسائل التقنية المتوفرة اليوم لدينا فإنها حجة علينا لنفهم ما لم يفهمه من سبقنا ، ومثال ذلك : فان البرامج التي يعدها مصمم برامج الكومبيوتر ، تنتهي وتتحول إلى برنامج فاعل بنقرة واحدة على زر التنفيذ ( نفّذ ـ . ok) ، وهو يقابل قوله تعالى ( كن ) عندما يريد لشيء أن يكون : ( قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )  ، وهذا حجة على الذين يعجبون من أمر الله ، كيف يقول للشيء كن فيكون ، بينما لا يلتفتون إلى أنفسهم أنهم بنقرة واحدة على زر التنفيذ ، يكون . ولكن ـ وفي الحالتين ـ أي في المثل ، وفي حقيقة أمر الله ، فان قوله تعالى ( كن ) ، أو النقر على زر التنفيذ في الكومبيوتر ، فان ذلك لا يكون إلا بعد عمل متقن و متفنن و مبدع لتصميم البرنامج بشكله الهندسي ، وهذا يعني إن القدر أو التصاميم و المخططات الإلهية ، شانها شان البرامج التي لم نوعز لها بإيعاز ( ادخل ـ enter أو نفذ  ok) ، فانه بعد النقر على زر التنفيذ يقوم الكومبيوتر بتحويل المخطط إلى برنامج عامل و فاعل ، وبغير ذلك فانه يمحى وكأنك لم تفعل أي شيء ، أي بمعنى آخر : إن القدر غير منظور وغير محسوس ماديا قبل يُقضى .
 وهذا يعني : إن القدر أو التقدير هو قبل وجود الشيء عيانا و قياما .
    ونعود هنا إلى شرح الإمام عليه السلام لترى بوضوح معنى ما يقوله عليه السلام في الرواية الأولى ، قال ( فالعلم بالمعلوم قبل كونه ، والمشيئة في المنشأ قبل عينه ، والإرادة في المراد قبل قيامه ، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عيانا وقياما، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات ) ثم قال عليه السلام : (   وبالعلم علم الأشياء قبل كونها، وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها وانشأها قبل إظهارها، وبالإرادة ميز أنفسها في ألوانها وصفاتها وحدودها ، وبالتقدير قدر أقواتها وعرف أولها وأخرها ، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلهم عليها، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها ، وذلك تقدير العزيز العليم .) .
      وهذا الكلام كلام علمي بل أرقى درجات العلم ، ونلتمس العذر لمن لم يفهمه من قبل ، أي قبل احتجاج الله سبحانه علينا بالعلوم التكنولوجية لنلتفت و نتفكر فيما لم يفهمه البعض من قبل ، فقد بات واضحا أن القدر أو التقدير و المقادير الإلهية : هي قبل ظهور الشيء المخلوق للوجود و العيان وكونه أصبح حقيقة واقعة في عالم الوجود . 
أما السنن :
   فان سنّة الله : هي السياسة التي يسوس الله بها الخلق على ثوابت غير قابلة للتبديل والتحويل (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)  . و إن هذا التفسير و المعنى أخذناه من حديث قدسي وليس من قريحتنا ، إذ ورد في الحديث القدسي من كلام الله تعالى لإبراهيم عليه السلام :
    ( قال رسول الله صلى الله عليه واله : يا أبا جهل أما علمت قصة إبراهيم الخليل لما رفع في الملكوت ، وذلك قول ربي . " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين " قوى الله بصره لما رفعه دون السماء حتى أبصر الأرض ومن عليها ظاهرين ومستترين ، فرأى رجلا وامرأة على فاحشة فدعا عليهما بالهلاك فهلكا ، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا ، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا ، ثم رأى آخرين فهم بالدعاء عليهما فأوحى الله إليه : " يا إبراهيم اكفف دعوتك عن عبادي وإمائي ، فاني أنا الغفور الرحيم الجبار الحليم لا يضرني ذنوب عبادي كما لا تنفعني طاعتهم ، ولست أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك ، فاكفف دعوتك عن عبادي وإمائي فإنما أنت عبد نذير لا شريك في الملك ولا مهيمن علي ولا على عبادي ، وعبادي معي بين خلال ثلاث : إما تابوا إلى فتبت عليهم وغفرت ذنوبهم وسترت عيوبهم ، وإما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات مؤمنون فأرفق بالآباء الكافرين وأتأنى بالأمهات الكافرات وارفع عنهم عذابي ليخرج ذلك المؤمن من أصلابهم فإذا تزايلوا حل بهم عذابي وحاق بهم بلائي ، وان لم يكن هذا ولا هذا فان الذي أعددته لهم من عذابي أعظم مما تريده بهم ، فان عذابي لعبادي على حسب جلالي وكبريائي ، يا إبراهيم خل بيني وبين عبادي فأنا ارحم بهم منك ، وخل بيني وبين عبادي فاني أنا الجبار الحليم العلام الحكيم أدبرهم بعلمي وأنفذ فيهم قضائي وقدري .)  .
   وما يظهر من هذا أن السياسة التي يسوس الله بها الخلق ، شيء ، و القضاء و القدر شيء آخر ، حيث أن السنّة الإلهية ـ التي هي سياسة الله في الخلق ـ هي بعد القضاء و الإمضاء :
   (وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلهم عليها، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها ، وذلك تقدير العزيز العليم ) أي بمعنى أكثر بساطة :
 إن السنّة هي بعد أن قال الله تعالى ( كن ) وأصبح الخلق والناس (عيانا و قياما ) أي مخلوقات حية و موجودة في عالم الوجود ، و أصبحت لهم أفعال و أعمال و معاصي وطاعات و تكاثر وغير ذلك من الأنشطة الحية . ومن هنا يظهر التفريق واضحا بين السنن و بين المقادير أو القدر. فانه لا سياسة في شيء غير موجود ، فرب الأسرة يسوس أسرته ، و الملك يسوس شعبه ، و القائد يسوس أتباعه ، والخالق يسوس خلقه ، بينما الوحيد مع نفسه لا يسوس شيئا ، كما إن العلم لا يسوس شيئا وليس هو بسائس ، وإنما العالِم هو الذي يسوس .
   وفي الحديث النبوي المسند : ( عن عبد الرحمن بإسناده رفعه إلى من قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) 


   وأما قول القائلين بـ ( السنن التاريخية ) و ( السنن الكونية ) فيتضح لك بطلان هذا القول ، لان التاريخ في حقيقته هو : العلم بالقرون الأولى
قال تعالى في التنزيل (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى *)  ، فان التاريخ لا يسوس شيئا ، وليس هو بفاعل ولا سائس ، وإنما هو العلم بأحوال الأمم الغابرة ، والعلم بما جرى في الأزمنة الغابرة ، سواء كان في الإنسان أو في الطبيعة ، و العلم بالشيء أو عدم العلم به لا يغير من حقيقته شيئا البتة .
    ومن جانب آخر فان السنّة الإلهية لما كانت هي المعاملة بين السائس و المسوس ، و لما كان الله هو السائس و الخلق هم المسوسين ، فان هذه السياسة لا يصح أن تسمى سنّة ما لم يكن لها طابع التكرار ، أي أن الحدث المتفرد و الاستثنائي لا يسمى سنّة وليس هو بسنّة ، قال تعالى : ( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* ) . ثم يبين الله سبحانه بان هذه السياسة أصبحت سياسة جارية في الأمم الظالمة ، ممن تقدم منهم  وممن تأخر ، فيقول تعالى (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ *) .
وقوله تعالى (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ *) وهنا لم ينذرهم إنذارا ، بل اخبرهم إخبارا ، ولينتظروا الأجل المضروب لذلك و سيشاهدونه عيانا في يومهم الموعود .
    وكذلك قوله تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا* فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا*) ، فهذه سنّة إلهية في جميع الأمم بلا استثناء  .
    أما الحدث الاستثنائي الذي يحصل لمرة واحدة فهو ليس بسنّة ، أي أن وقوعه و حدوثه ، أمر يجب أن لا تتوقعه الأمم ـ إلا أن يشاء الله ـ ومن ذلك أمر الله في قوم يونس (ع) عندما دعا عليهم نبيهم لينزل بهم العذاب ، وهم لم يكونوا بهذا السوء و بهذا الظلم الذي يستحقون به نزول عذاب الاستئصال ، ولكن عندما نزل بهم العذاب ( إلى الأكتاف ـ كما في الأخبار ) لاذوا بيونس (ع) واستشفعوا به و ندم يونس (ع) و تضرع إلى الله أن يرفع العذاب عنهم فرُفِع : (  فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ *) .
    ومن هنا فان أئمة أهل البيت عليهم السلام يعلمون شيعتهم صلاة ( الغفيلة ) التي هي ركعتان ، في الأولى بعد الحمد آية (  وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)   ، وذلك عسى أن يرحمهم الله إذا نزل بهم العذاب و يجعل ما فعله مع قوم يونس ( سنّة إلهية ) تجري فيهم ، لان الله سبحانه عندما ذكر ذلك قال ( وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ  )  ،ولكنها حتى الآن فهي ليست بسُنّة .
    وسيبين لك واضحا عندما ندخل في صلب الموضوع ، بان كل ما يقصده الفلاسفة و المتكلمون و المفكرون بـ( السنن التاريخية ) هو في حقيقته ( المقادير الإلهية ) ولا يصح تسميته بالسنن أبدا.
واليك بعض من أقوالهم :
 *( ولم يكن ذلك بدعا في الديانات ، لأن القرآن الكريم والسنة المباركة أخبرانا أن ذلك سنة التاريخ في الديانات السالفة ).
 *(و في الرواية : " إنه لم يكمل شئ قط إلا نقص " فإن ذلك سنّة كونية تجرى أيضا في التاريخ والاجتماع بتبع الكون) .
*( المدخل إلى سنن التاريخ في القران الكريم ) كتاب من تأليف محمد حسين الأنصاري  .
*(حيث يقول الباري عز من قائل ( وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ). وهي سنة تاريخية ) .
    وعدا ذلك ما بدأه كبار المفكرين وانتهى بكبارهم ، ابتداء من سنن الترمذي و النسائي ، ثم ابن خلدون ، ثم سيد قطب ، ثم السيد الشهيد محمد باقر الصدر في ( المدرسة القرآنية ) مرورا بالكثير ممن نحى هذا النحو
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 2:00 am

الفصل الثالث :
 
فلسفة التاريخ وفق نظرية ( التكوير والتكرير ) :
      قد لا يصح أن نسمي هذه (نظرية ) لأنها في الحقيقة اكتشاف لحقيقة أمر موجود واقعا ، وهذا الاكتشاف تحصل لدينا نتيجة إيماننا بان ما يقوله أمير المؤمنين عليه السلام هو اكبر بكثير مما تدركه عقولنا ، وكون انه فوق مستوى عقولنا و معرفتنا ، فذلك لا يعني انه غير معقول. ومن هنا بدأنا بحثنا المقارن للتاريخ انطلاقا من قول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة البيان ( الحمد لله مكور الدهور و مكررها ) فكيف يكور الله الدهور ! وكيف يكررها ؟
   إن النظام الكوني المطبق في الكون الذي نحن فيه ، الذي يشار إليه بالمعنى الظاهر وليس الباطن بـ ( الكرسي ) ، الذي هو السموات السبع و الارضين السبع (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ *)  ، والذي يصفه رسول الله صلى الله عليه وآله كما لو انه كرة صغيرة في بحر عظيم ( وهو العرش) ـ بالمعنى الظاهر وليس الباطن ، حيث أن المعنى الباطن للعرش هو العلم المطلق ـ إن هذا النظام هو نظام مركب من العديد من الأنظمة ، وهذه الأنظمة متناغمة ، تشبه الأقراص المسننة المختلفة الأقطار و التي يدوّر بعضها بعضا ولكن المحور الأساس الذي ينقل إليها الحركة  هو محور واحد ، فيدور بعضها دورة واحدة ، و الآخر سبع دورات ، والآخر تسع دورات ، والآخر اثنا عشرة دورة ، وربما يدور بعضها ثلاث و ستين دورة ، وهكذا بحسب قطر القرص و بحسب طريقة انتقال الحركة إليه من المحور الأساس . 
    إن هذه الأنظمة هي في المخططات الكتلوية ... هي في التصميم الهندسي ، أي : في القدر ، أي إن الله سبحانه قدّر حركتها على هذا المقدار ، كما يقوم المصمم بصنع ( أو خلق ) محرك كهربائي ليدور بـ ( 1500 دورة / الدقيقة) ، فهذا الصنع أو الخلق قدره المصمم ( العالم ، وليس الذي يحاول التعلم ) ليدور بهذا العدد ، وليس صحيحا انه صنعه بشكل عشوائي ثم بدء يبذل المساعي و الجهود ليتحكم بعدد دوراته ، أي انه يتم ذلك :
أولا : بالعلم الذي تحصل و تراكم لدى المصمم قبل التفكير ببدء مشروعه العلمي أو الصناعي .
 ثانيا : العزة ، بمعنى انه لا يقهره شيء ولا يحول شيء دون ما يريد ، فليس كل عالم يستطيع أن ينتفع من علمه في تنفيذ إرادته ، لان عواملا عديدة تقهره و تحول دون تحويل مشاريعه العلمية إلى واقع ، فيستلزم الأمر أن لا يكون هذا العالم مقهورا بالظروف الذاتية و الموضوعية ، أي : له القدرة المستطيلة على كل شيء .
ثالثا : انه بكل هذه العناصر بلغ مرحلة انه يصنع هذا المحرك تصميما و هندسة وهو يعلم انه سيدور بعدد دورات ( 1500 دورة/ الدقيقة) ، من خلال علمه بكيفية عمل تقاطع خطوط الفيض المغناطيسي ، فيصنع المحرك بعدد أقطاب معلوم ، وعدد لفات لكل قطب بشكل محسوب ، وطول كل مجرى بشكل محدد ، وكل ذلك على أساس القدرة الكهربائية التي سيجهزه بها ، فعندما يتم صنعه أو خلقه وفق هذا المخطط أو التصميم الهندسي ، فان يعلم من خلال الخبرة و العلم و بالعزة ، انه سيدور بهذا العدد من الدورات لا تزيد ولا تنقص ، حتى قبل أن يتأكد ويختبر وذلك لعلمه بأنه لا توجد احتمالات أخرى . 
    فإذا فهمنا هذا الأمر بهذه البساطة ، أمكننا أن ننتقل إلى القرآن الكريم لنفهم ما يقوله الله تعالى ، حيث يقول (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) . وقوله تعالى :
(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ )  .
    ومنازل القمر هي ثمان وعشرين منزلة مذ خلقه الله وهو ينتقل من منزلة إلى أخرى ، فإذا انتهت بدء من جديد ، وكل ذلك محسوب بحساب دقيق في القدر ( قدرناه منازل ) أي قبل عملية الصنع أو الخلق ، أي مذ كان القمر مجرد مخطط هندسي وقبل أن يقال له " كن" ، وكذلك الشمس تجري لمستقر لها (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) أي أن هذا الجري إلى المستقر ، هو في التقدير ، أي في المخططات وقبل وجوده عيانا وقياما .
 (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) 
أي إن عدد الدورات في الوحدة الزمنية المعينة ، هو عدد محسوب ، ومسار كل منهما في دائرة فلكه هو مسار لا يمكن الخروج عنه ، حيث أن الكتلة ، والسرعة ، والقوة الطاردة عن المركز تحدد مسار وفلك كل منهما مسبقا وبشكل محسوب .
    ثم لم يتوقف عند دعوة الناس للتفكر في هذا الأمر عند هذا الحد ، فيقول في الآية التي تليها : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ )  . فالشمس التي هي مصدر الطاقة وهي التي  لولاها لا تكون عملية التركيب الضوئي ، أي لا يكون إنتاج للثمر ولا للغذاء ، ويهلك كل شيء دونها ، ولكنها لا تغني عن القمر ، ولكل دوره و عمله وأثره في الوجود ، ولكن في غياب الشمس و القمر أين تذهب الناس للاهتداء إلى السبل في ظلمات البر و البحر ، وهنا يدل الناس على النجوم ، ثم يبين في سورة فصلت أن هذه النجوم التي هي زينة السماء ، فان وجودها يتعدى دور الزينة بل هي لحفظ النظام الكوني ، فيقول تعالى ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* )  ، ولو توقفت السورة عند هذه الآية و انتقلت إلى موضوع آخر من بدائع خلق الله لبدا الأمر على انه دعوة للتفكر في النظام الفلكي ، ولكنه تعالى ينتقل إلى موضوع بعيد كل البعد عن موضوع الآيات السابقة ، فيقول تعالى منذرا من يعرض عن الاعتبار بهذا النظام ، و يتوعده بصاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود ، فيقول تعالى في الآية التي بعدها :
( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ)  .
    فهل أن من يجهل علم الفلك ويجهل التفكر في أمر الشمس و القمر و النجوم ، ولا يلتفت إلى النظام الكوني ، ولا معرفة له بالبروج وأنواع الكواكب ومن فيها الساكن ومن المتحرك ، وما الجاريات ،وكم قدر شعاع كل منها ؟ فهل من هو كذلك يكون قد خرج من الإيمان إلى الكفر بحيث أن مصيره مصير عاد و ثمود ؟ ولماذا صاعقة عاد و ثمود تحديدا دون غيرها ؟ وما هو المراد من ذلك ؟
   إن هذه الآيات مفصلة تفصيلا كاملا في العديد من السور القرآنية ، وبعضها يشرح بعضا و يفسر بعضها بعضا ، ومنها قوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً *) . فلماذا جعل القمر آية ممحوة من الليل ، بينما الشمس تبقى آية مبصرة لكل ناظر وفي كل يوم ؟  ومن هو الذي سيفتقد الآية الممحوة من الليل الذي هو القمر ؟
    القمر حبيب العاشقين ، وأنيس الساهرين الذين هم بلا سقوف ولا قصور ولا أنوار كهربائية مصطنعة تعمي أبصارهم وتلهيهم عن التفكر في حاجتهم إلى القمر ، القمر رفيق المحرومين و المضطهدين ، ونور أهل السرى في الليل ، وأهل القيام في الليل ، ولكن آيتهم بتقدير العزيز العليم جعلها ممحوة  و محل تنازع و اختلاف .  
   ولكي لا يبدو كلامنا متكلفا ، نذهب إلى رسول الله و أهل البيت عليهم السلام لنسألهم ماذا يريد الله من هذا اللفت الدائم و المتكرر ، بل و المتوعد ، أن نلتفت إلى الشمس و القمر و النجوم وكيف قدر الله حركتها ودورانها ووجودها و اختفائها وحفظها للنظام الكوني ؟
  *  في المستدرك ، بسنده عن جابر رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله "وانه لعلم للساعة" ، فقال : " النجوم أمان لأهل السماء فإذ ذهبت أتاها ما يوعدون ، وأنا أمان لأصحابي ما كنت فإذا ذهبت أتاهم ما يوعدون ، وأهل بيتي أمان لأمتي فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون" . ) 
*  وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عليهم السلام قال : نحن أئمة المسلمين ، وحجج الله على العالمين ، وسادة المؤمنين ، وقادة الغر المحجلين ، وموالي المؤمنين ، ونحن أمان لأهل الأرض ، كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، ونحن الذين بنا يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها ، وبنا ينزل الغيث ، وينشر الرحمة ، وتخرج بركات الأرض ، ولولانا لساخت الأرض بأهلها . ) 
     والأحاديث كثيرة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام التي تمثل رسول الله صلى الله عليه و آله بالشمس ، و أمير المؤمنين علي (ع) بالقمر ، والأئمة عليهم السلام بالنجوم الأحد عشر التي رآها يوسف (ع)  في الرؤيا .
    وهذا التشبيه للائمة عليهم السلام بالقمر و النجوم ، لا يتوقف القرآن الكريم عنده بل يستمر بضرب الأمثلة ببروج السماء الاثنى عشر ، وبالجبال الرواسي التي تحفظ توازن الأرض من أن تميد و تسيخ ، كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنْ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ) 
 وقوله تعالى  (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا* وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) 
وقوله تعالى (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) 
وقوله تعالى (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ *) 
   ففي مناقب آل أبي طالب :
[ أبو الورد عن أبي جعفر ( ع ) في قوله تعالى : ( وعلامات وبالنجم هم يهتدون ) قال : نحن النجم .
 الهيتي أو داود الجصاص عن الصادق ، والوشا عن الرضا: النجم رسول الله والعلامات الأئمة .
ابوالمضا عن الرضا قال النبي لعلي : أنت نجم بني هاشم .
 وعنه قال ( ع ) : أنت احد العلامات .
عباية عن علي ( ع ) : مثل أهل بيتي مثل النجوم كلما أفل نجم طلع نجم
 تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى : ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها ) النجوم : آل محمد صلى الله عليه وآله . ]  .
وفي الروضة : قال عدة من أصحابنا عن سهل بن زيد عن الحسن بن علي بن عثمان قال حدثني أبو عبد الله المدائني عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ان الله تعالى خلق زحل في الفلك السابع من ماء بارد وخلق سائر النجوم الست الجاريات من ماء حار وهو نجم الأنبياء والأوصياء وهو نجم أمير المؤمنين عليه السلام يأمر بالخروج من الدنيا والزهد فيها ويأمر بافتراش التراب وتوسد اللبن واكل الجشب ، وما خلق الله تعالى نجما أقرب إليه منه سبحانه .) 
    إننا في هذا البحث لا نريد أن نجاهد في سبيل الدفاع عن منزلة أئمة أهل البيت عليه السلام ، بقدر ما نريد أن نفهم ما يقوله القرآن الكريم وهو يعقد المقارنات بين أنظمة حفظ السماء .. وحفظ الأرض ، بين قوانين الملأ الأعلى .. و أهل الدنيا ، بين انتظام الكواكب في نظام البروج السماوية الاثنى عشر.. وانتظام الخلائق في نظام البروج الأرضية الاثنى عشر ( سواء كانوا أسباطا أو حواريين أو أئمة ) ، بين حفظ كوكب الأرض بالجبال الرواسي من أن تميد و تسيخ بأهلها.. وحفظ أهل الأرض بالجبال الرواسي من الأولياء كي لا تميد و تسيخ بأهلها ، بين حاجة الطبيعة وبحارها مدا و جزرا ، وأشجارها نموا وثمرا ، ومعادنها و ثرواتها إلى الشمس والقمر والنجوم .. وحاجة الإنسانية إلى شمس و قمر و نجوم يشعون عليهم بشموس المعارف العلوية و تنوير ظلمات أنفسهم من الجهل وهدايتهم إلى النجاة من المهالك ، وأخيرا وليس آخرا : ـ والذي هو موضوعنا الذي نريد الوصول إليه ـ :
    هو ما يعقده القرآن الكريم من مقارنات بين تقدير حركة الكواكب و الشمس والقمر والمجرات والمذنبات وأنواعها و اختلاف الليل و النهار و تعاقبهما و سباحة الشمس والقمر كل في فلكه ، وفق مقادير لا تتقدم ساعة ولا تتأخر ساعة .. وبين تقدير حركة التاريخ و ضبط مسيرته و جريانه بقدره ، وكسوفات و خسوفات يشهدها تاريخ البشرية .
     عندما تذهب الشمس لمستقر لها.. ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) ، فهذا ما قدره الله للشمس الأخرى ( رسول الله ) أيضا تجري لمستقر لها ..  ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) .
   وعندما تُقتل آية الليل( فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ )  و يُطفأ السراج المنير ويمحو الله آيته عنهم ، فبنفس التقدير قدر الله مصير القمر الآخر ( أمير المؤمنين ) لإعراض الأمة عن آيته الكبرى ( قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ )   فيقتلونه ويقولون هو كافر ، فيقول تعالى : ما أكفره ؟ أي : ما الذي جعله كافرا فتكفرونه وتقتلونه . بينما تبقى آية النهار مبصرة : ((وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً *)، أي يبقى رسول الله ( آية مبصرة ) لا خلاف عليه بين الأمة ، وذلك تقدير العزيز العليم .
     وعندما تحجب سحب الظلم و العدوان و البغي عن الإنسانية نجومها وعلاماتها التي تهتدي بها ، وعندما يكون النجم الثاقب ( الإمام المهدي ) في علو وارتفاع لم يطرق سماءهم بعد ، فان للتاريخ مسيرة أخرى و حركة أخرى و نظام آخر ، ولكن يبقى الأمر كما قال تعالى ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ) .
   فالإنسان مخير ويمتلك كامل حريته في اختيار مصيره الشخصي ، إن كان يريد الدنيا أم الآخرة ، إن كان يريد سبيل الغي أم سبل الرشاد ، إن كان يريد دين الله أم دين إبليس ، إن كان يريد أن يكون مفسدا أم مصلحا .
   ولكنه غير مطلق اليد ، ولا مفوض إليه الأمر ليجر تاريخ الأمم و الشعوب إلى ما يريد هو ، ولا هو مخير في أن يؤتي الملك لمن يشاء و ينزعه ممن يشاء ، فيكون هو والخالق سواء في صنع التاريخ ومجرى التاريخ إلى قدره المقدور .
 وهو عندما يقول ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )
فانه تعالى يقول أيضا ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ*).
   فإذا كانت الآية الأولى ، يدل ظاهرها على الولاية و التشريعات و الأحكام و الحدود و المناسك و الشعائر ، فان الآية الثانية تتحدث عن أمر آخر ، أنها تتحدث عن الخلق والمشيئة والمقادير ، ولذلك يقول تعالى (سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فانه عزوجل ليس له شريك في الملك ليقدر ما يشاء ويصنع التاريخ .
     يمكن للمبطلين أن يزعموا ما يشاءون ، ويجادلون ما شاءوا  عن رجال التاريخ و القادة التاريخيين الذين صنعوا تاريخ الأمم ، بالإرادة والعزم و الكفاح ، يمكنهم أن يتحدثوا عن إرادة الإنسان بكل قواميس الكلمات الطنانة .
   ولكن كل عباقرة التاريخ كما يسمونهم ، ونسميهم جبابرة التاريخ ، من نمرود إلى بخت نصر إلى هارون الرشيد وزمرته إلى نابليون وزمرته إلى ستالين وزمرته إلى روزفلت وتشرشل والى بوش وزمرته والى كل القائمة بطولها و عرضها ، لو وقفت في معسكر ، ووقف علي بن أبي طالب وحده في معسكر مقابل لهم ، ما كانوا ليزنوا مثقال ذرة من علي بن أبي طالب ، بعبقريته وقيادته وبسالته وحكمته وعزمه ، فانه عليه السلام  لم يستطع أن يصنع اتجاها لمعركة كان بينه وبين الانتصار فيها خطوة واحدة ، ووصل مالك بن الاشتر إلى فسطاط معاوية ، واستعد فيها معاوية و عمرو بن العاص للهروب في حرب ( صفين ) .
   ولكن ما قدره الله تعالى من القدر انه يجب أن لا ينتصر علي بن أبي طالب ، لان الأمة ارتكبت من الآثام ومن نكث العهود ما جعلها لا تستحق أن يكون إمامها علي بن أبي طالب ، فتنعم بالبركات وتأكل من تحتها ومن فوقها ، بل إنها تستحق أن يكون أميرها طاغية مفسد مثل معاوية ، ليس لهوان علي بن أبي طالب عند الله ، ولكن عقوبة شديدة للأمة ، كان يجب أن يجري التاريخ هكذا إلى يوم الفصل ، وعند ذلك فانه يأتي الوقت لولاية علي بن أبي طالب بظهور ولده الإمام المهدي عليه السلام ، ليس بحد السيف فقط ، بل بسلطان الملأ الأعلى ، فيقول تعالى :
 ( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا*).
ولما كان هذا الميقات هو ما وُعِدَت به كل الرسل ، فيقول تعالى :
 ( وَإِذَا الرُّسُلُ وُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ*).
    وعندما بيّن فيما سبق بان كل ذلك هو ( تقدير العزيز العليم) ، فسيبين لنا في سورة الدخان ، عندما يأتي تأويل هذه الآية وما وعد الله ، ويقع الأمر بالتقدير المقدر مسبقا بالعلم وبالعزة ، فعند ذلك لا يأتي على ذكر التقدير، لان التقدير وقع كما هو مقدر، ولا يأتي على ذكر العلم ، لان العلم به أصبح ظاهرا معلوما للخلق (  كَلَّا سَيَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ* )   وإنما وقع الأمر بعزته التي يقهر بها كل شيء ، وبرحمته لمن تحمل القهر والظلم في سبيله :
( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ*).
    ولما كان المكذبين بولاية علي بن أبي طالب ، لا يزدادون إلا تكذيبا و عنادا وإصرارا على التكذيب ، فيومئذ يقول تعالى :
(هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ*) .  و يقول تعالى :
( هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِي* وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ* ) .
    وإذن حتى يأتي ما وعد العزيز الرحيم ، أي إلى ظهور الإمام المهدي عليه السلام ، فان التاريخ سيبقى يجري وفق ما قدره العزيز العليم من نظام كوني محكم ، و  ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ   .
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 2:02 am

الفصل الرابع
الأنظمة الكونية :
      أن ما نقصده بالنظام الكوني هو نظام أو أنظمة تحكم كل شيء ما بين السموات و الأرض ، أي إن كل شيء يحدث و يجري وفق نظام محكم ـ يحلو للبعض أن يسميها قوانين ، وهي تسمية غير موفقة وغير مناسبة برأينا ـ وان هذه الأنظمة كما تبين من استعرضنا للمقارنات التي يعقدها القرآن الكريم بين أنظمة حفظ السماء .. وأنظمة حفظ الأرض ، فان هذه الأنظمة متناغمة و متناظرة ، وإنها في المخطط الكتلوي أو التصميم الهندسي ، أي : إنها في القدر .
   تدل كتب الأولين على وجود نظام غير معمول به لدينا اليوم ـ أو على الأقل نحن لا نعرفه إلا سطحيا ـ هي التي تحكم حركة التاريخ و مسيرته ، ومن غير المعروف لدينا عدد هذه الأنظمة ، إلا ثلاث منها على الأقل ، الأشهر منها اثنان :
احدهما : متناغم و متوافق مع مسيرة الشمس و حركتها ، وهو النظام الشمسي ، وهو نظام الأعوام .
وثانيهما : متناغم و متوافق مع مجرى القمر و مسيرته ومنازله ، وهو النظام القمري ـ والذي موضوع بحثنا ـ وسنفصله لاحقا ، وهو نظام السنين .   
وهناك نظام ثالث: وهو نظام السوابيع ، والذي يبدو انه متوافق مع مسيرة وحركة كوكب ثالث والله اعلم .
وسنتعرض بشيء يسير لهذا النظام لنتجاوزه . في التحفة السنية للسيد عبد الله الجزائري :
    ( إن المولود في السابوع الأول من عمره يتولى تدبيره القمر، ومن ثم تتوارد عليه الحالات المختلفة وتكثر فيه الرطوبات وتتسارع إليه الانتقالات والحركات ، ثم ينتقل في السابوع الثاني إلى تدبير عطارد وهو كوكب الفهم والأدب والكياسة ، ثم في السابوع الثالث إلى تدبير الزهرة وهو كوكب العشق والطرب والميل إلى اللذات والشهوات ، وتبدو فيه في كل سابوع الغريزة المناسبة المدبرة فيعامل في كل واحد بما تقتضيه مصلحة الحال )
وفي كتاب الفتن لنعيم :
   ( حدثنا نعيم قال ثنا الحكم بن نافع عن جراح عن أرطاة بن المنذر قال : بلغنا أن ناثا كان نبيا وأنه ذكر الدهر فقال : " الدهر سبعة سوابيع والسابوع سبعة آلاف سنة والعدان ألف سنة فوصف القرون الماضية فبين ما كان من أمرها حتى انتهى إلى آخر القرون فقال إذا كان عند انقضاء أربع عدانات من السابوع الآخر ولدت العذراء البتول فتجئ بالآيات ويحيى الموتى ويرفع إلى السماء وتختلف بعده الأهواء ، ثم يخرج من بعده مولد الأمة الطريدة إثنا عشر لواء ، أولهم مولده في الحرم تهلل السماء لمولده وتستبشر الملائكة لمخرجه فيظهر على جميع الأمم ، من صدقه آمن ومن جحده كفر ، يظهر على فارس وملكها وإفريقية وملكها وسورية ، يكون ثلاثة سوابيع إلا سبع سابوع ثم يقبضه الله حميدا ، ثم يملك من بعده أمته ضعيف صدوق قصير الحياة يشتد في خلافته الجوع بمصر ويهلك ملك الهند حياته سبع سابوع ، ثم يملك من بعده القوي العادل ويفتح الشام فقده مصيبة حياته سابوع وثلثا سابوع إلا نصف سابوع ثم يملك بعده الغني فيقتل ولا يظفر قاتله حياته سابوعان إلا سبع سابوع ثم يملك من بعده الرأس في البيت الأكبر يجمع الأموال يكون على يديه ملاحم كثيرة فويل للرأس من الأجنحة وويل للأجنحة من الرأس حياته ثلاث سوابيع إلا ثلث سبع سابوع ثم يملك من صلبه الأمرد تيبس في زمانه ثمر سورية ويهلك ملك رومية حياته نصف سابوع إلا ثلث سبع سابوع ثم يملك من بعده الجبهة من بيت الرأس الثاني حكيم متأني يخرج من صلبه أربعة ملوك حياته ثلاث سوابيع إلا سبع سابوع .... )
    وتقص الرواية عن النبي ناثا أحداث الدهر إلى أن يصل إلى أخبار آخر الزمان فيقول ( ويملك أرض اليمن رجل من ولد قحطان يسمى منصور ذو أنف وخال وضفيرتين (وووو)ويظهر الأمرد على الأردن يمكث بذلك سبع سابوع وخمس سبع سابوع ثم يظهر رجل من ولد الحكيم المتأني فيسير بأهل مصر والأقباط فإذا نزل الجفار أصبحت الأرض منه قفراء من غير حرب بخبر يأتيه عن أرض بربر بإقبال صاحب الأندلس ببربر وأفرنجة والأشبال فيقبل صاحب الأندلس حتى يحل على نهر الأردن (وووو) وينزل صالح بالموالي أرض سورية ويدخل عمورية وينزل قمولية ويفتح بزنطية وتكون أصوات جيشه فيها بالتوحيد علانية ويقسم أموالها بالآنية ويظهر على رومية ويستخرج منها باب صهيون وتابوت جزع فيه قرط حواء وكتونة آدم يعني كساءه وجبته وحلة هارون ، فبينا هو كذلك إذ أتاه خبر وهو باطل أن صاحب صور قد ظهر فيرجع حتى ينزل مرج جومطيس فيقيم هنالك ثلث سبع سابوع فتمسك السماء في تلك السنة ثلث مطرها وفي السنة الثانية ثلثيها وفي السنة الثالثة كله ، فلا يبقى ذو ظفر ولا ناب إلا هلك فيقع الجوع والموت حتى لا يبقى من كل سبعين عشرة ، ويهرب الناس إلى جبال الجوف ثم يخرج عليهم دجالهم ) .
    والملاحظ أن هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها ، وبنفس الوقت ليس من الحكمة تجاهلها ، ولكن يمكن التدقيق و التحقيق فيها و النظر أين تم التلاعب بها أما تقية أو إتباعا للأهواء ، فأخبارها الأولى إلى مولد الأول من الاثنا عشر من الأمة الطريدة ( أولهم مولده في الحرم تهلل السماء لمولده وتستبشر الملائكة لمخرجه فيظهر على جميع الأمم من صدقه آمن ومن جحده كفر) وهو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ،  بعده تأتي الأخبار على غير حقيقتها ، وفيها خلط بين حق و باطل ، فيسمي ( مروان بن الحكم ) الحكيم المتأني ، وهو الذي لعنه رسول الله صلى الله عليه و آله ، وما يخبر به ناثا ، اخبر به أمير المؤمنين عليه السلام مخاطبا مروان ( وأنت أبو الاكبش الأربعة ) ،
قال ابن أبي الحديد : قالوا : ( أخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل فاستشفع الحسن والحسين عليه السلام إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فكلماه فيه فخلى سبيله ، فقالا له : يبايعك يا أمير المؤمنين ؟ قال عليه السلام : " أولم يبايعني بعد قتل عثمان ! لا حاجة لي في بيعته . إنها كف يهودية ، لو بايعني بيده لغدر بسبته . أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبو الاكبش الأربعة ، وستلقى الأمة منه ومن ولده يوما أحمر " . وكذلك كانت مدة خلافة ، مروان ، فإنه ولى تسعة أشهر . والاكبش الأربعة بنو عبد الملك : الوليد ، وسليمان ، ويزيد ، وهشام ، ولم يل الخلافة من بني أمية ولا من غيرهم أربعة إخوة إلا هؤلاء . وكل الناس فسروا لأكبش الأربعة بمن ذكرناه ) .
 ومن ذرية هذا ( الحكيم المتأني ) يظهر المرواني بأهل المغرب حسب روايات أئمة أهل البيت وحسب رواية النبي ناثا حيث يقول (ثم يظهر رجل من ولد الحكيم المتأني فيسير بأهل مصر والأقباط فإذا نزل الجفار أصبحت الأرض منه قفراء من غير حرب بخبر يأتيه عن أرض بربر بإقبال صاحب الأندلس ببربر وأفرنجة والأشبال فيقبل صاحب الأندلس حتى يحل على نهر الأردن ) .
   ولا نريد أن نربك القارئ بمواضيع ليست موضوع البحث ـ لأننا فصلنا هذا الموضوع في كتاب عولمتنا ، فراجع تجد المرواني ومن أين يظهر ومن أنصاره ، وهو بنفس هذا الشرح المتقدم  ـ  المهم أن الدهر عندهم بنظام السوابيع ، لكن بينما يقول أن السابوع سبعة آلاف سنة ، فانه عندما يفصل السابوع الأخير ، فان السابوع يصبح سبع سنوات ، كما هو الحال عند السيد الجزائري فان السابوع هو سبع سنين ، وهذا النظام عمل به الإسرائيليون فقط .
  
    أما النظام الثاني : وهو النظام الشمسي ،  وهو نظام الأعوام ، فهو النظام المعمول به الآن عند اغلب أمم العالم . 
قال المسعودي  :
( جميع ما تؤرخ به الأمم من السنين شمسية ، على ذلك عمل سائرهم من السريانيين والفرس واليونانيين والروم والقبط والهند والصين ـ إلا العرب والإسرائيليين ـ ومقدار سنتهم الشمسية من الزمان ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم ، وعلى التحقيق وجزء من ثلاثمائة جزء من يوم ، ومراعاتهم في ذلك ابتداء سير الشمس من نقطة الاعتدال الربيعي إلى عودها إليها ، وهم مجمعون على أن شهور سنتهم اثنا عشر شهرا ، وإن كانت عدتها مختلفة ولذلك احتاجوا إلى كبس أيام لتتمة مدة السنة )  .
وقال أيضا : ( وما ذهب إليه ابطلميوس من أن الغرض والغاية في علم زمان سنة الشمس حركتها وابتداؤها من نقطة الفلك الخارج المائل حتى يعود إلى تلك النقطة ، وأن مدة ذلك من الزمان ثلاثمائة وخمسة وستون يوما ، وربع يوم إلا جزء من ثلاثمائة جزء من يوم ، وعليه العمل الأعم في وقتنا هذا .) 
أما النظام الأهم موضوع البحث : فهو النظام القمري .
 
النظام القمري :
    قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ )
وقال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ) .
    إن هذا النظام يتخذ من الأهلة و الشهور القمرية علما بمواقيت الحوادث والوقائع وما جرى وما يجري من أخبار الزمان وأحوال الأمم ومداولة الأيام بين الناس ، ومواليد الخلق ومماتهم ، ومعرفة أوقات شعائرهم ومناسكهم و أعيادهم ، وعدة الأرملة و المطلقة و الايلاء ، وغير ذلك مما يتطلبه نظام حياة الناس و تقويمها .  
    وبحسب الآيات القرآنية المتقدمة ، فان هذا النظام علمه الله لرسوله الكريم صلى الله عليه وآله ، وجعل له يوما معينا ليكون هو اليوم الأول الذي يبتدئ به هذا التاريخ ، وهو اليوم الذي هاجر فيه رسول الله ( ص) من مكة إلى المدينة المنورة ، وهو الأول من شهر ربيع الأول .
قال المسعودي  :
     ( فأما العرب فإنها تراعى رؤية الأهلة فتجعل حساب سنتها عليها وشهورهم: شهر ثلاثون يوما ، وشهر تسعة وعشرون يوما ، فيكون ستة أشهر من السنة تامة وستة ناقصة وأيام سنتهم ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما بالحساب المطلق وهو الجلبل ، فأما على التحصيل والتدقيق فان عدد هذه الأيام للسنة تزيد في كل ثلاثين سنة احد عشر يوما تكون حصة السنة الواحدة من ذلك خمسا وسدس يوم فتكون أيام السنة بالحقيقة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وخمسا وسدس يوم والسنة التي ينجبر فيها هذا الكسر تكون شهورها سبعة تامة وخمسة ناقصة وهذا العدد لأيام الشهور هو بالحساب المصحح من اجتماع الشمس والقمر بمسيرهما الأوسط ، فأما برؤية الأهلة فانه يختلف بزيادة ونقصان ، فيمكن أن تكون شهور متوالية تامة وشهور متوالية ناقصة .
    ثم قال المسعودي : ( وقد كان العرب في الجاهلية تنسئ لأجل اختلاف الزمان والمواقيت وما بين السنة الشمسية والقمرية وفيه أنزل " إنما النسئ زيادة في الكفر " ، وكانوا ينسئون في كل ثلاث سنين شهرا يسقطونه من السنة ويسمون الشهر الذى يليه باسمه ، ويجعلون يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر الثامن والتاسع والعاشر من ذلك الشهر ، فيكون ذلك دائرا في سائر شهور السنة موجبا ، وكانوا بذلك مقاربين لغيرهم من الأمم في مدة زمان سنتهم الشمسية . فلم يزالون على ذلك إلى أن ظهر الإسلام وفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فوجه أبا بكر في السنة التاسعة من الهجرة على الموسم فحج بالناس وهي آخر حجة حجها المشركون وكان الحج في تلك السنة اليوم العاشر من ذى القعدة ونزلت آيات من سورة براءة فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع على بن أبى طالب عليه السلام وأمره بقراءتها على الناس بمنى ، وكانت الأشهر التي قال " فسيحوا في الأرض أربعة أشهر " عشرين يوما من ذى القعدة وذا الحجة والمحرم وصفر وعشرة أيام من شهر ربيع الأول ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام بأداء أربع كلمات :
" أن لا يحجن بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا مسلم ، ومن كانت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة فأجله إلى مدته " .
     فلما كان من قابل حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذى الحجة وهي حجة الوداع ، وخطب الناس ، فقال " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر بين جمادى وشعبان " هذه حكاية لفظه عليه السلام ، ولو عدّ عادٌ هذه الأشهر ، فبدأ بالمحرم ثم رجب وذى القعدة وذى الحجة لكان ذلك جائزا ، وإنما ذكرنا هذا لان في الناس من يجعلها من سنتين ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال منها ، فدل على أنها من سنة واحدة ) .
    ومعنى ما يقوله المسعودي : هو أن تسلسل شهر محرم من السنة هو الشهر الحادي عشر وليس الأول ، وقد نبهنا إلى هذا الموضوع المهم في الجزء الثاني من كتاب ( عولمتنا.. دولة الإمام المهدي "ع" ) ، وهو يعني على سبيل المثال : إن شهر محرم الذي نعده بحسب التاريخ المعمول به عندنا اليوم هو الشهر الأول من سنة (1431) هج ، فهو في الحقيقة وكما يؤرخ به رسول الله و أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فانه يتبع إلى سنة (1430) هج ، وهو الشهر الحادي عشر منها ، والذي نعده الشهر الأول من سنة (1432) هج ، هو الشهر الحادي عشر من سنة (1431) هج ، وهذا الأمر يجعل الناس تجهل معرفة شهر محرم في تلك السنة هل هو في سنة وتر أم شفع ، من اجل ذلك نكرر لفت الانتباه لأهميته في علامات الظهور .
    إن هذه الأنظمة جميعها ـ بعد التحقيق و المطابقة ـ تجد أنها أشبه  بأنظمة الأجور و الرواتب التي تتبعها الدول و المؤسسات العامة والخاصة ، فمنها من يتبع نظام الأجور الشهري ، ومنها نصف الشهري ، ومنها الأسبوعي ، ومنها اليومي ، إلا أنها في النهاية تصل إلى النتيجة نفسها وتلتقي عند الغايات نفسها وتؤدي نفس المطلوب وان اختلفت في الأسلوب ، وسيتضح لنا هذا الأمر أكثر في حينه .
 
المقادير الإلهية وفق النظام القمري:
 
   قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة ( تطنجية ) ـ التي فسرت لنا ما يرمي إليه في خطبة البيان بقوله ( الحمد لله مكور الدهور و مكررها ) ـ قال :
(( إلاّ أن في المقادير في القرن العاشر سيحبط علج بالزوراء من بني قنطورا ، بأشرار وأي أشرار،وكفار وأي كفار) .
   ثم قال (فإذا أقبل القرن الحادي عشر فأنا لله وأنا أليه راجعون ، عمّ البلاء ، وقل الرجاء ، ومنع الدعاء ، وعُدم الدواء ، وضاق دين الإسلام , أهلكه علج بالشام )
  ثم قال ( ثم يملك الأنباط الأفكة والأعراب المناسبة في فلك البصرة حتى واسط وأعمالها , "إلى الأهواز و أظلالها , وأول خراب العراق في أيامهم , يكثر البلاء العظيم والقحط الشديد .. كل ذلك يكون في القرن الحادي عشر من الثلثين ويكون الفتك من فتك الجحيم ) .
ثم قال ( ثم في العشر الثالث من الثلثين يقبل الرايات من شاطئ جيحون إلى فارس ونصيبين تترادف إليهم رايات العرب فينادي نسائهم بقدر مجرى السحاب ونقص من الكوكب وطلوع القطر التالي الجنوب كغراب الابنور ).
    وبالطبع فإننا نريد لفت انتباه القارئ لكل ما نضع تحته خطوط من كلمات و عبارات و جمل ، ويبين من ذلك أمران :
الأمر الأول : إن ما يسميه البعض بالسنن التاريخية ، فان أمير المؤمنين عليه السلام يسميه ( المقادير ) ، ومن هنا فان فهمنا لفلسفة التاريخ هو ليس بإبداع منا ، ولكن هذا هو ما يقوله الإمام علي عليه السلام ، وهذا ما قدمنا له بالشروح المسبقة ، وهو ما لا يستسيغ العقل المتفكر غيره ، وقد يجادل بعض المجادلين ، فعلى من يريد أن يجادل أن يرتقي بفكره و بطاقات عقله إلى ما يقوله الإمام علي (ع) ، لا أن يحاول جر كلام  الإمام علي (ع) إلى فهمه هو وضيق افقه الفكري.
الأمر الثاني : يظهر من النصوص أعلاه ، أن أمير المؤمنين عليه السلام يقسم التاريخ إلى اثنى عشر قرنا ، والقرن الواحد إلى أثلاث ، و الثلث إلى أعشار .
   ولما كانت كل الأنظمة تتبع نظام القرون ، فان القرون القمرية تختلف عن القرون الشمسية ، حيث أن القرن الشمسي ( مائة عام ) بينما القرن القمري ( ستون سنة ) ، وعندما قال تعالى في نوح (ع) : " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا" ، ذلك لان الفترة الحقيقية هي ( تسعمائة و ثمان و أربعين سنة و ستة أشهر) ، لان كل خمسين عاما تعادل ( إحدى و خمسين سنة و نصف ) ، وكل مائة عام تعادل ( مائة وثلاث سنين ) ، ولذلك فان المقادير التي قدر الله للبوث أهل الكهف في كهفهم قبل الاعثار عليهم وهي مقدرة وفق نظامهم الذي يتبعونه ـ وهو النظام الشمسي ـ وقد قدرها الله بثلاثمائة عام ، فإنها تعادل وفق النظام القمري ثلاثمائة وتسع سنين : (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا *).
    وعلى أية حال ، فان أمير المؤمنين عليه السلام قد قسم التاريخ إلى قرون ( ستون سنة ) ثم قسم القرن إلى أثلاث ، فكل ثلث يكون ( عشرون سنة ) ثم قسم الثلث إلى أعشار ، فكل عُشر ( سنتان ) ، ثم أعطانا مجرى التاريخ والحوادث الواقعة على مدار اثنى عشر قرنا فقط ، وفي آخر الخطبة أنبأنا بان ظهور الإمام المهدي عليه السلام سيكون في القرن الثاني عشر .
    وحيث أن القرن الثاني عشر يبدء من سنة (660 هج ) وينتهي سنة ( 720 هج ) ، وقد مر هذا القرن ووقعت فيه الأخبار و الحوادث تماما كما اخبر بذلك وخاصة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر ـ على ما عثرنا عليه من تاريخ مفصل لهذه الفترة ـ ثم وجدنا أن كل ما اخبر به من الوقائع والأحداث ، عايشناه نحن في زماننا ، من هنا بدءنا بحثنا المقارن لوقائع التاريخ ، بناء على ما يذكره في الخطبة في قوله عليه السلام ( الحمد لله مكور الدهور و مكررها ) ومطابقة أحداث القرنين الحادي عشر و الثاني عشر من الدورة الأولى للقرون الاثنى عشر ، مع أحداث القرنين الحادي عشر و الثاني عشر من الدورة الثانية ، أي القرنين الثالث و العشرين و الرابع و العشرين ، حيث أن  :
القرن الحادي عشر : من ( 600 هج ـ 660 هج ) .
القرن الثاني عشر : من ( 660 هج ـ 720 هج ) .
القرن الثالث والعشرون : من ( 1320هج  ـ 1380هج )
القرن الرابع والعشرون من سنة ( 1380 هج ـ 1440 هج ) .
    ونحن اليوم في سنة (1430 هج ) ولم يبق من نهاية القرن الرابع والعشرين إلا تسع سنين ، فوجدنا أن معنى ما يقوله أمير المؤمنين عليه السلام من ( تكوير الدهور و تكريرها ) الآتي :
    أن المقادير الإلهية تتكرر عند نهاية كل اثنى عشر قرنا ، فتبدأ من البداية ، أي أن أحداث ووقائع القرن الثاني عشر تتكرر بشكل عجيب في القرن الرابع والعشرين ، وأحداث ووقائع القرن الحادي عشر تتكرر بشكل عجيب في القرن الثالث و العشرين ، وأحداث القرن العاشر تتكرر في القرن الثاني والعشرين ، وهكذا .
    ولكون أن ما نستطيع ضبطه من التاريخ بناء على ما هو متوفر لدينا من مصادر موثقة ومحل اطمئنان لدينا ، أو أننا عايشناه و نحن الشهود عليه ، أو على أكثره ، فقد أخذنا أهم و اخطر الأحداث التي غيرت واقع العالم ومثلت انعطافات خطيرة في مجرى التاريخ في كلا الدورتين التاريخيتين، وهما:
1 ـ غزو التتار ـ أو التتر ـ المغول وما سبقه وما ترتب عليه ، وأوقاته ، ومراحله ، والفترة الفاصلة بين كل مرحلة منه .
2 ـ الغزو الأمريكي لنفس الرقعة الجغرافية ، وما سبقه وما ترتب عليه ، وأوقاته ، ومراحله ، والفترة الفاصلة بين كل مرحلة منه .
   وبحسب تقسيم الروايات وواقع الأحداث ، فإننا نستطيع تقسيم هذه الفترة ـ في كل دورة تاريخية ـ  إلى أربعة مراحل :
المرحلة الأولى : وهي الفترة التي تدور فيها الفتنة في بلاد الترك إلى أذربيجان ، وتستمر هذه الفترة ثلاثون سنة .
المرحلة الثانية : وهي الفترة التي تطرق فيها الفتنة أبواب العراق وتنشر الخوف والجوع والمرض والفساد ، وتستمر هذه الفترة اثنا عشر عاما .
المرحلة الثالثة : وهي الفترة التي يكون فيها سقوط بغداد وقتل الخليفة أو الرئيس ، واحتلال كامل للعراق ويعم فيها الخراب والدمار والقتل والموت الذريع ، وتستمر هذه الفترة ستة أعوام .
المرحلة الرابعة : وهي مرحلة ردّ الكرة ، وتكون بعد سبع سنين من بداية المرحلة الثالثة .
     ففي الفصل الآتي ( الخامس ) نقوم بفحص أحداث كل مرحلة من المراحل الأربع من خلال التحقيق التاريخي ، ثم نقوم في الفصل اللاحق ( السادس ) بمقارنة كل مرحلة من هذه المراحل مع ما يقابلها من الدورة التاريخية الثانية ، بعد اثنى عشر قرنا قمريا .
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 2:16 am

الفصل الخامس
 
الدورة التاريخية الأولى
(القرنان الحادي عشر والثاني عشر)
 
المرحلة الأولى :
       لقد جاء في الحديث النبوي أن للترك خرجتان :
* ( حدثنا عبد الخالق بن يزيد بن واقد عن أبيه عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( للترك خرجتان خرجة يخربون أذربيجان والثانية يربطون خيولهم بالفرات لا ترك بعدها ) .
* ( حدثنا الوليد عن ابن جابر وغيره عن مكحول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( للترك خرجتان إحداهما يخربون أذربيجان والثانية يشرعون على ثني الفرات ).
* ( قال ابن عياش وأخبرني من سمع مكحولا عن النبي صلى الله عليه وسلم للترك خرجتان خرجة منها خراب أذربيجان ، وخرجة يخرجون في الجزيرة يحتقبون ذوات الحجال فينصر الله المسلمين فيهم ذبح الله الأعظم لا ترك بعدها ).
    وكانت هاتان الخرجتان كما يضبطه التاريخ في القرنين الحادي عشر والثاني عشر ، فكانت الخرجة الأولى التي خربوا فيها إلى أذربيجان ، تدور في بلاد تركستان وسمرقند والقفجاق والخطا وروسيا وخوارزم شاه بعد أن عبروا نهري سيحون وجيحون ، ودمروا فيها كل البلدان من أطراف الصين إلى دول أوربا الشرقية بأكملها إلى كابل شاه ( أفغانستان ) و الديلم ( أذربيجان وطبرستان وأرمينيا) ودول بحر الخزر والطالقان ، ثم في مرحلة أخرى  امتدت إلى خراسان واصبهان والري وتبريز  ومشهد وباقي ما يعرف اليوم بـ (إيران ) ، ثم عبروا إلى اربيل والموصل وكركوك وتكريت ، ثم دخول بغداد واشتباكهم مع جيش الخليفة على أسوار بغداد لمدة ثلاثة أيام ، ثم رجعوا مستترين بالليل ، دون أن يحققوا ما كانوا يصبون إليه ، وتركوا العراق وانسحبوا منه ، وقد استمرت هذه الفترة من سنة ( 613 هج ـ 643هج ) ، وكان اقتحامهم بغداد بياتا ، وكان ذلك فجر يوم ( 17 ربيع الآخر سنة (643) هج ) .
    إلا أن الخراب والدمار لم يعم البلاد الإسلامية في هذه المرحلة ، وإنما إلى أذربيجان ، حيث يقول ابن أبي الحديد : (  وأقاموا على جملة السكون والموادعة للبلاد الإسلامية كلها ، إلى أن دخلت سنة ثلاث وأربعين وستمائة .) 
    وكانت هذه هي الخرجة الأولى التي اخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله ، إلا أن أمير المؤمنين عليه السلام فصّلها تفصيلا دقيقا وتابع مسيرتها من بلد إلى بلد ، وذلك في خطبة البيان .
 
تواريخ بعض وقائع المرحلة الأولى من المصدر نفسه :
ص 223 : (و أما المسلمون فرجعوا ومعهم محمد خوارزمشاه ، فلم يزالوا سائرين حتى وافوا بخارى ، وعلم خوارزمشاه انه لا طاقة له بجنكز خان ... ، وتقدم إليهم بحفظ البلاد حتى يعبر هو إلى خوارزم وخراسان ، فيجمع العساكر ، ويستنجد بالمسلمين والغزاة المطوعة ويعود إليهم  ثم رحل إلى خراسان ، فعبر جيحون ، وكانت هذه الوقعة في سنه ست عشرة وستمائة فنزل بالقرب من بلخ ، فعسكر هناك ، واستنفر الناس ) .
ص 224 :  ( فلما رأى أهل بخارى بذلهم للامان فتحوا أبواب المدينة ، وذلك في رابع ذى الحجة من سنة ست عشرة وستمائة فدخل التتار  بخارى )
ص 226 : ( فخرج الناس إليهم بأجمعهم ، فاختلطوا عليهم ، ووضعوا فيهم السيف ، وعذبوا الأغنياء منهم ، واستصفوا أموالهم ، ودخلوا سمرقند ، فأخربوها ، ونقضوا دورها ، وكانت هذه الوقعة في المحرم سنة سبع عشرة وستمائة )
ص 230 : ( وصاروا من موقان في صميم الشتاء نحو بلاد الكرج ، فخرجت إليهم الكرج ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فلم يثبتوا للتتار ، وانهزموا أقبح هزيمة وقتل منهم من لا يحصى ، فكانت هذه الوقعة في ذي الحجة من سنة سبع عشرة وستمائة )
ص 231 : ثم توجهوا إلى المراغة في أول سنة ثمانى عشرة فملكوها في صفر)
 ص 234 : ( ثم سارت طائفة منهم إلى بلاد الروس ، وهى بلاد كثيرة عظيمه ، وأهلها نصارى ، وذلك في سنة عشرين وستمائة فاجتمع الروس وقفجاق عن منعهم عن البلاد )
ص 237 : ( وأذعن لهم ملوك فارس ، وكرمان ، والتيز ، ومكران بالطاعة وحملوا إليهم الاتاوة ، ولم يبق في البلاد الناطقة باللسان الأعجمي بلد إلا حكم فيه سيفهم أو كتابهم ، فأكثر البلاد قتلوا أهلها ، وسبق السيف فيهم العذل والباقي أدى الاتاوة إليهم رغما ، وأعطى الطاعة صاغرا ، ورجع جنكزخان إلى ما وراء النهر وتوفى هناك وقام بعده ابنه قاآن مقامه ، وثبت جرماغون في مكانه بأذربيجان ولم يبق لهم إلا أصبهان فإنهم نزلوا عليها مرارا في سنة سبع وعشرين وستمائة )
ص 238 : (فلما لم يبق لهم بلد من بلاد العجم إلا وقد دوخوه ، صمدوا نحو إربل [ أربيل] في سنة أربع وثلاثين وستمائة)
ص 238 ـ 239 : ( فلما رحلوا عن إربل ، عاد العسكر البغدادي إلى بغداد ، وكانت للتتار بعد ذلك نهضات وسرايا كثيرة إلى بلاد الشام ، قتلوا ونهبوا وسبوا فيها حتى انتهت خيولهم إلى حلب ، فأوقعوا بها ، وصانعهم عنها أهلها وسلطانها ، ثم عمدوا إلى بلاد كى خسرو صاحب الروم ....وأنكسر العسكر الرومي وهرب صاحب الروم حتى انتهى إلى قلعه له على البحر تعرف بأنطاكية ، فاعتصم بها وتمزقت جموعه ، وقتل منهم عدد لا يحصى ، ودخلت التتار إلى المدينة المعروفة بقيسارية ففعلوا فيها أفاعيل منكرة من القتل والنهب والتحريق ، وكذلك بالمدينة المعروفة بسيواس وغيرها من كبار المدن الرومية ، وبخع لهم صاحب الروم بالطاعة ، وأرسل إليهم يسألهم قبول المال والمصانعة ، فضربوا عليه ضريبة يؤديها إليهم كل سنة ، ورجعوا عن بلاده .
مميزات المرحلة الأولى :
    بعد مراجعتنا لعدة تواريخ كتبت في الموضوع وجدنا اختلافا في التقييم واختلافا في التواريخ ، ومنها تاريخ ابن خلدون ، وتاريخ ابن الأثير ، وتاريخ ابن كثير ، ولم نجد أحدا أكثر موضوعية ودقة من ابن أبي الحديد المعتزلي ـ وهذه صفة مميزة عند أكثر المعتزلة في الأمور غير العقائدية ، والاهم انه كتب تاريخه أثناء الفتنة وكان شاهدا عليها ، وهو من أهل البلاد التي تعرضت للغزو ، ومع ذلك سنتعرض لبعض التواريخ الأخرى ، إلا أننا سنعتمد على تاريخ ابن أبي الحديد لأنه موضع ثـقتنا في هذا الجانب ، ونسجل ملاحظاتنا :
1ـ من خلال رسالة جنكيز خان إلى خوارزمشاه ، ورد خوارزمشاه على رسالته تتخيل شخصية خوارزمشاه بأنه قائد شديد البأس وذو حزم وعزم ، وانه مستعد للدفاع عن ملكه ومملكته إلى الرمق الأخير، ولكن الهلع والجنون الذي أصابه إلى درجة أن أعظم القلاع الحصينة لم توفر له الشعور بالأمان والنجاة من أيدي التتار ، فكان البحر ملاذه شبه الآمن .
قال : ( فكانوا على ذلك حتى وصل رسول من جنكز خان ومعه جماعة ، يتهدد خوارزمشاه ، ويقول : تقتل أصحابي وتجارى ، وتأخذ مالي منهم ! استعد للحرب ، فإني واصل إليك بجمع لا قبل لك به . فلما أدى هذه الرسالة إلى خوارزمشاه أمر بقتل الرسول فقتل ، وحلق لحى الجماعة الذين كانوا معه ، وأعادهم إلى صاحبهم جنكز خان ليخبروه بما فعل بالرسول ، ويقولوا له : إن خوارزمشاه يقول لك : إني سائر إليك ، فلا حاجة لك أن تسير إلى ، فلو كنت في آخر الدنيا لطلبتك حتى أقتلك ، وأفعل بك وبأصحابك ما فعلت برسلك .) ولكن هذا الرجل الجسور انتهى إلى نهاية مخزية وفاضحة لا تليق برجل وليس بقائد وخليفة .
قال ابن أبي الحديد ( وحدثني البرهان ، قال : رقى به شمس الدين أنليمش إلى قلعة من قلاع الهند ، حصينة عالية شاهقة لا يعلوها الغيم أبدا ، وإنما تمطر السحب من تحتها . وقال له : هذه القلعة لك وذخائرها أموالك ، فكن فيها وادعا آمنا إلى أن يستقيم طالعك ، فالملوك ما زالوا هكذا ، يدبر طالعهم ثم يقبل فقال له : لا أقدر على الثبات فيها ، والمقام بها ، لان التتر سوف يطلبونني ، ويقدمون إلى هاهنا ، ولو شاءوا لوضعوا سروج خيلهم واحدا على واحد تحت القلعة ، فبلغت إلى ذروتها ، وصعدوا عليها ، فأخذوني قبضا باليد ، فعلم أنليمش أن عقله قد تغير ، وأن الله تعالى قد بدل ما به من نعمة فقال : فما الذي تريد ؟ قال : أريد أن تحملني في البحر المعروف ببحر المعبر إلى كرمان ، فحمله في نفر يسير من مماليكه إلى كرمان ، ثم خرج منها إلى أطراف بلاد فارس ، فمات هناك في قرية من قرى فارس ، وأخفى موته ، لئلا يقصده التتر ، وتطلب جثته ) .
   وعلينا أن نتذكر هذه الشخصية المهووسة بالتهديد والوعيد والخطابات النارية ، ومن الجانب الآخر : الجبانة والمذعورة عند الشدائد ، والتي تسلق الناس بلسان حاد قبل وقوع الخوف ، ثم لم تجد أفضل من حفرة عميقة في جوف الأرض تختبئ فيها فرارا وجبنا وذعرا عندما يجدّ الجدّ ، حتى كان عثور القوات الأمريكية عليه في هذه الحال ، فضيحة ليس بعدها فضيحة ، وخزي ليس بعده خزي ، وذلك في الدورة التاريخية الحالية !!!
2 ـ كان انطلاق هذه الأمة من أقاصي بلاد المشرق وبينها وبين الدول الإسلامية مسيرة ستة أشهر وبينهم تفصل المياه وهو نهر بلخ .
  (في كتاب " مروج الذهب " للمسعودي فإنه ذكرهم هكذا بهذا اللفظ " التتر " ، والناس اليوم يقولون : " التتار " بألف ، وهذه الأمة كانت في أقاصي بلاد المشرق في جبال " طمغاج " من حدود الصين ، وبينهم وبين بلاد الإسلام التي ما وراء النهر ما يزيد على مسير ستة أشهر )
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 2:17 am

المرحلة الثانية :
     إن دخول التتر إلى بغداد واشتباكاتهم الخفيفة مع جيش الخليفة ، مثل نهاية مرحلة ، وبداية مرحلة جديدة ، وهي مرحلة الخوف والجوع وانتشار الأمراض ، وانتشار الفساد ليس بين أفراد المجتمع فقط ، ولكن ـ وهو الأهم ـ انتشار الفساد في أجهزة الدولة عموما ، والجيش والأجهزة الأمنية خصوصا ، وكانت بداية هذه المرحلة سنة ( 643 هج) ، فقال ابن أبي الحديد :
( إلى أن دخلت سنة (ثلاث وأربعين وستمائة) ... سار من تبريز عشرة آلاف منهم يطوون المنازل ويسبقون خبرهم ومقدمهم المعروف ب(جكتاي الصغير) فلم يشعر الناس في بغداد إلاّ وهم في البلد ، وذلك في شهر ربيع الآخر من هذه السنة في فصل الخريف ، وقد كان الخليفة المستعصم بالله أخرج عسكره إلى ظاهر سور بغداد على سبيل الاحتياط ، فكان التتار قد بلغهم ذلك ، إلاّ أن جواسيسهم غرتهم وأوقعت في أذهانهم أنه ليس خارج السور إلاّ خيم وفساطيط مضروبة لا رجال تحتها.... فكان خروج شرف الدين إقبال ألشرابي خارج أسوار البلد في اليوم السادس عشر من هذا الشهر المذكور ، ووصلت التتار إلى سور البلد في اليوم السابع عشر منه ، فوقفوا بإزاء عساكر بغداد صفاً واحداً ، وترتيب العسكر البغدادي ترتيباً منتظماً ، ورأى التتار من كثرتهم وجودة سلاحهم وخيولهم ما لم يكن يظنونه...... إلى أن حجز الليل بين الفريقين ، ولم يصطدم الفيلقان ، وإنما كانت مناوشات وحملات خفيفة لا تقتضي الاتصال والممازجة ورشق بالنشاب شديد . فلما أظلم الليل ، أوقد التتار نيرانا عظيمة ، وأوهموا أنهم مقيمون عندها ، وارتحلوا في الليل راجعين إلى جهة بلادهم ) .
    وهذه المرحلة تستمر اثنى عشر عاما تقريبا ـ ويجب على القارئ أن يلاحظ بدقة استخدامنا للتواريخ والتفريق بين " السنة" وبين " العام" ـ وهذه الفترة هي مرحلة وسطية ، وللأسف إن ابن أبي الحديد توفى إثناء هذه المرحلة ولم يدرك المرحلة الثالثة ، ولم يكتب إلا عن بداية المرحلة الثانية ، ولذا سنعتمد على المصادر الأخرى مع التحقيق في أخبارها .
      أن هذه المرحلة " الثانية" اخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله ، كما عند نعيم بن حماد ، ناهيك عن متابعتها خطوة بخطوة وتفصيلها بأدق التفاصيل في خطبة البيان ، ففي حديث مرفوع :
( قال محمد بن مهاجر وحدثني الجنيد بن ميمون عن صفوان بن عمرو عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : الفتنة الرابعة عمياء مظلمة تمور مور البحر لا يبقى بيت من العرب والعجم إلا ملأته ذلا وخوفا تطيف بالشام وتغشى بالعراق وتحيط بالجزيرة بيدها ورجلها ، تعرك الأمة فيها عرك الأديم ويشتد فيها البلاء حتى ينكر فيها المعروف ويعرف فيها المنكر ، لا يستطيع أحد يقول مه ، ولا يرقعونها من ناحية إلا تفتقت من ناحية ، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ، لا ينجو منها إلا من دعا كدعاء الغرق في البحر تدوم إثنى عشر عاما . )  .
وقد دامت هذه المرحلة من ( 17 بيع الآخر/ 643 هج ـ 18 محرم / 656هج )
    يقول ابن طاووس في كشف المحجة ، وفي إقبال الأعمال : ( تم احتلال بغداد من قبل التتر في يوم الاثنين 18 محرم سنة 656 ه‍ ، وبتنا ليلة هائلة من المخاوف الدنيوية . )  .
    وقال غيره في الثاني عشر من محرم ، وعندنا أن ابن طاووس من أهل البلد وكان شاهدا على الفتنة ، وحاول أن يكون له دور في تلافيها ، فما يقوله من تاريخها هو الصحيح ، وليس من جاء بعده وبدأ يكتب المذكرات .
 
مميزات المرحلة الثانية :
1 ـ  شهدت الأيام الأولى احتفالات ببغداد بـ ( الخليفة المنتصر ) ، ولكنها لم تدم طويلا قبل انكشاف الحقيقة وخطورة الأوضاع .
2 ـ  أدى الحصار والجوع ليس إلى فساد الناس وفساد أجهزة الدولة بل إلى فساد الخليفة وتحوله إلى لص سارق وخائن للأمانة ، قال ابن كثير وهو يدافع دفاع المتيم بحب الخليفة ، حامي الدين والمسلمين ، قال :
(خليفة الوقت المستعصم بالله أمير المؤمنين آخر خلفاء بني العباس بالعراق ..... ولكن كان فيه لين وعدم تيقظ ومحبة للمال وجمعه ، ومن جملة ذلك أنه استحل الوديعة التي استودعه إياها الناصر داود بن المعظم وكانت قيمتها نحوا من مائة ألف دينار فاستقبح هذا من مثل الخليفة ، وهو مستقبح ممن هو دونه بكثير ، بل من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ، كما قال الله تعالى " ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما" . )  ، ثم ذكر فيما بعد تفصيلا لذلك ، قال في صفحة 248 : (وقد ذكرنا ترجمته في الحوادث ، وأنه أودع الخليفة المستعصم في سنة سبع وأربعين وديعة قيمتها مائة ألف دينار فجحدها الخليفة ، فتكرر وفوده إليه ، وتوسله بالناس في ردها إليه ، فلم يفد من ذلك شيئا ) ، وعاش عاش عاش الخليفة ، فسوف نرى كيف استولى صدام على ذهب الناس وأموالهم لما يسمى ( المجهود الحربي ) وكيف استولى على أموال التجار واعدم الكثير ممن لم يبسط يده كل البسط .
    أما عن حالة الجيش قبل سقوط بغداد ، فيصفها عند دخول الغزاة  بقوله :
( فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية ، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة ، لا يبلغون عشرة آلاف فارس ، وهم وبقية الجيش ، كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد ، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله ) 
3 ـ شهدت هذه الفترة ما يسميه ابن كثير (فتنة عظيمة بين الرافضة و أهل السنة ) ، ولكنه اعترف بقيام ( أهل السنة ) بنهب دور الشيعة (الرافضة ) ، ولما كانوا يكتبون التاريخ بحسب أهوائهم وأحقادهم الطائفية ، فكان الوزير ابن العلقمي الرافضي الشيعي الخبيث ، الكلب ابن الكلب ، هو التبرير الجاهز لكل الخراب وكل الفتنة .
     قال ابن كثير : (ثم دخلت سنة خمس وخمسين وستمائة ،وفيها كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة وأهل السنة ، فنهب الكرخ ودور الرافضة حتى دور قرابات الوزير ابن العلقمي ، وأن ذلك من أقوى الأسباب في ممالاته للتتار . ) .
   وبالطبع فان ابن كثير ـ وكذلك ابن خلدون ـ لم يذكر هذه الفتنة على حقيقتها ، ولم يذكر أسبابها وكيف وقعت ، إلا أننا نختصرها للقارئ بكلمة مختصرة جدا : إن هذه الفترة هي التي وضعت فيها ضريبة ( قطع الكف ) لمن يريد أو يصر على زيارة المشهد الشريف للإمام الحسين عليه السلام من الشيعة ، بعد إن لم تنفع الضريبة الأولى ، وهي ( مائة دينار ذهبي ) ، وعلى القارئ أن يختزن في ذاكرته كل ذلك ، عندما نقارنه مع الدورة الثانية ، فترة ما بين بوش الأب .. وبوش الابن ، وما فعله صدام وأجهزته العسكرية والأمنية بمقلدي السيد الشهيد محمد صادق الصدر بسبب ( صلاة الجمعة ) ، وقيام الانتفاضة الثانية بعد اغتيال السيد الشهيد الصدر ، وكيف تعامل صدام معها بالدبابات والدروع .
4 ـ شهدت هذه المرحلة خروج اربيل وشمال العراق عن سيطرة الخليفة ، وأصبحت ( اربيل ) وسلطتها بيد ابن الصلايا تتآمر على بغداد و خليفته ، وتنسق مع ابن العلقمي في الخفاء والعلن .
( فاغتنم ابن الصلايا الفرصة ونزل عنها لشرف الدين الكردى ولحق بهلاكو )  ، فأصبح شمال العراق بيد الأكراد في هذه المرحلة .
5 ـ تشهد هذه المرحلة ظهور آيات إلهية مخيفة لردع الناس عن معاصيهم ، وفي الكثير من الأماكن المتفرقة من العالم ، ومن ذلك آية المسخ ، فيمسخ الله ولادات وتنجب النساء أطفال ممسوخة ، وآيات أخرى مختلفة وكلها من الدرجة الثانية وليست من الدرجة الأولى ، التي هي المسخ للجبابرة والطواغيت وأصحاب البدع و دعاة الباطل .
      فمما نزل من آيات الله في هذه المرحلة ، في الدورة التاريخية الأولى ، ما ذكره ابن كثير في تاريخه ، قال :
     ( وحكى ابن خلكان فيما نقل من خط الشيخ قطب الدين اليونيني قال : بلغنا أن رجلا يدعى أبا سلامة من ناحية بصرى ، كان فيه مجون واستهتار ، فذكر عنده السواك وما فيه من الفضيلة ، فقال : والله لا أستاك إلا في المخرج - يعني دبره - فأخذ سواكا فوضعه في مخرجه ثم أخرجه ، فمكث بعده تسعة أشهر فوضع ولدا على صفة الجرذان له أربعة قوائم ، ورأسه كرأس السمكة ، وله دبر كدبر الارنب . ولما وضعه صاح ذلك الحيوان ثلاث صيحات ، فقامت ابنة ذلك الرجل فرضخت رأسه فمات ، وعاش ذلك الرجل بعد وضعه له يومين ومات في الثالث ، وكان يقول هذا الحيوان قتلني وقطع أمعائي ، وقد شاهد ذلك جماعة من أهل تلك الناحية وخطباء ذلك المكان ، ومنهم من رأى ذلك الحيوان حيا ، ومنهم من رآه بعد موته . وممن توفي فيها من الاعيان )  
     ونقل ابن كثير الكثير من المقالات في ذلك ، قال :
( قال أبو شامة : " لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ظهر بالمدينة النبوية دوي عظيم ، ثم زلزلة عظيمة رجفت منها الأرض والحيطان والسقوف والأخشاب والأبواب ، ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور ، ثم ظهرت نار عظيمة في الحرة قريبة من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا ، وهي نار عظيمة إشعالها أكثر من ثلاث منارات ، وقد سالت أودية بالنار إلى وادي شظا مسيل الماء ، وقد مدت مسيل شظا وما عاد يسيل ، والله لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا ، وقد سدت الحرة طريق الحاج العراقي ، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرة فوقفت بعد ما أشفقنا أن تجئ إلينا ، ورجعت تسيل في الشرق فخرج من وسطها سهود وجبال نيران تأكل الحجارة ، فيها أنموذج عما أخبر الله تعالى في كتابه ( إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر ) [ المرسلات : 32 ] وقد أكلت الأرض ، وقد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين وستمائة والنار في زيادة ما تغيرت ، وقد عادت إلى الحرار في قريظة طريق عير الحاج العراقي إلى الحرة كلها نيران تشتعل نبصرها في الليل من المدينة كأنها مشاعل الحاج . وأما أم النار الكبيرة فهي جبال نيران حمر ، والأم الكبيرة التي سالت النيران منها من عند قريظة ، وقد زادت وما عاد الناس يدرون أي شئ يتم بعد ذلك ، والله يجعل العاقبة إلى خير ، فما أقدر أصف هذه النار) .
   وذكر كذلك من مصادر أخرى لهذه الأخبار قال :
 (  وقال ابن الساعي في تاريخ سنة أربع وخمسين وستمائة : في يوم الجمعة ثامن عشر رجب - يعني من هذه السنة - كنت جالسا بين يدي الوزير فورد عليه كتاب من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم صحبة قاصد يعرف بقيماز العلوي الحسني المدني ، فناوله الكتاب فقرأه وهو يتضمن أن مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم زلزلت يوم الثلاثاء ثانى جمادى الآخرة حتى ارتج القبر الشريف النبوي ، وسمع صرير الحديد ، وتحركت السلاسل ، وظهرت نار على مسيرة أربع فراسخ من المدينة ، وكانت ترمي بزبد كأنه رؤوس الجبال ، ودامت خمسة عشر يوما . قال القاصد : وجئت ولم تنقطع بعد ، بل كانت على حالها ، وسأله إلى أي الجهات ترمي ؟ فقال : إلى جهة الشرق ، واجتزت عليها أنا ونجابة اليمن ورمينا فيها سعفة فلم تحرقها ، بل كانت تحرق الحجارة وتذيبها . وقال  أنهم لما زلزلوا دخلوا الحرم وكشفوا رؤوسهم واستغفروا وأن نائب المدينة أعتق جميع مماليكه ، وخرج من جميع المظالم ، ولم يزالوا مستغفرين حتى سكنت الزلزلة ، إلا أن النار التي ظهرت لم تنقطع . وجاء القاصد المذكور ولها خمسة عشر يوما وإلى الآن .) .
   وسنتطرق إلى شيء يسير من الآيات التي وقعت في هذه المرحلة في القرن الرابع والعشرين ، ما بين فقترة بوش الأب ، و بوش الابن .
المرحلة الثالثة :
     أما المرحلة الثالثة فهي الخرجة الثانية للترك ( للترك خرجتان ) ،
     وتكون بداية هذه المرحلة بعد اثنى عشر عاما من المرحلة الثانية ، وتدوم هذه المرحلة ستة أعوام تقريبا ، بحيث أنها تشكل مع المرحلة الثانية ، ثمانية عشر عاما بالتمام والكمال ، وقد اخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديث المرفوع :
 ( حدثنا نعيم قال ثنا يحيى بن سعيد العطار عن ضرار بن عمرو عن إسحق بن أبي فروة عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( الفتنة الرابعة تقيم ثمانية عشر عاما ثم تحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتتلوا عليه حتى يقتل من كل تسعة سبعة )  .
     فبدأت هذه المرحلة في الثامن عشر من شهر محرم الحرام سنة ستمائة وست وخمسين للهجرة بغزو العراق و سقوط بغداد ، بقول ابن طاووس المتقدم ذكره :
( تم احتلال بغداد من قبل التتر في يوم الاثنين 18 محرم سنة 656 ه‍ ، وبتنا ليلة هائلة من المخاوف الدنيوية ) .
   أما ابن خلدون فقال : ( ثم رجع هولاكو إلى بلاد الإسماعيلية وقصد قلعة آلموت وبها صاحبها علاء الدين فبلغه في طريقه وصية من ابن العلقمي وزير المستعصم ببغداد في كتاب ابن الصلايا صاحب اربل [ أربيل ] يستحثه للمسير إلى بغداد ويسهل عليه أمرها ، لما كان ابن العلقمي رافضيا هو وأهل محلته بالكرخ وتعصب عليهم أهل السنة وتمسكوا بان الخليفة والدوادار يظاهرونهم وأوقعوا بأهل الكرخ ، وغضب لذلك ابن العقلمى ودس إلى ابن الصلايا بأرببل وكان صديقا له بأن يستحث التتر لملك بغداد وأسقط عامة الجند يموه بأنه يصانع التتر بعطائهم وسار هولاكو والتتر إلى بغداد .
   ثم قال ابن خلدون : ولما أظل هولاكو على بغداد في عساكره برز للقائه ايبك الدوادار في عساكر المسلمين فهزموا عساكر التتر ثم تراجع التتر فهزموهم واعترضهم دون بغداد بثوق انبثقت في ليلتهم تلك من دجلة فحالت دونها فقتلوا أجمعين وهلك ايبك الدوادار وأسر الامراء الذين معه ورجعوا إلى البلد فحاصروها مدة ثم استأمن ابن العلقمي للمستعصم ولنفسه بأن هولاكو يستبقيه ، فخرج إليه في موكب من الأعيان وذلك في محرم سنة ست وخمسين ، وتقبض على المستعصم فشدخ بالمعاول في عدل تجافيا عن سفك دمه بزعمهم ، ويقال أن الذي أحصى فيها من القتلى ألف ألف وثلثمائة ألف واستولوا من قصور الخلافة وذخائرها على ما لا يحصره العدد والضيبط) .
   ولكون أننا نبحث في فلسفة التاريخ ، فنريد من القارئ أن يختزن في ذاكرته هذا الرقم والعدد من القتلى ، لنذكره به عندما نأتي على الدورة الثانية ، والى اعتراف الرئيس الأمريكي بوش بمقتل ( ألف ألف و ثلاثمائة ألف ) مليون وثلاثمائة ألف عراقي ، واعتذاره عن ذلك ، في المؤتمر الشهير عالميا الذي تلقى فيه ضربات حذاء منتظر الزيدي .
    أما السؤال العرضي الذي يعرض لنا هنا ، هو : إذا كان ابن العلقمي دبر لذلك فلماذا يستأمن للخليفة ويريد إنقاذه ؟ وسؤال آخر : إذا كان ابن العلقمي دبر للغزو ، فمن الذي احدث البثوق في نهر دجلة وتسبب بالفيضانات ليحصر الناس للقتل ويمنعهم من الهرب ؟
   طبعا لا نريد جوابا من احد ، لأننا نقرا في كتاب الله وعيد الله (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ )  ، وهي انتقاص الآفاق عليهم بالغزو والحروب وحصرهم للقتل .
   وعلى أية حال ، فقد قال ابن كثير في مصير الخليفة :   (قتلته التتار مظلوما مضطهدا في يوم الأربعاء رابع عشر صفر من هذه السنة ، وله من العمر ستة وأربعون سنة وأربعة أشهر . وكانت مدة خلافته خمسة عشر سنة وثمانية أشهر وأياما. وقد قتل بعده ولداه وأسر الثالث مع بنات ثلاث من صلبه ، وشغر منصب الخلافة بعده ، ولم يبق في بني العباس من سد مسده ، فكان آخر الخلفاء من بني العباس الحاكمين بالعدل بين الناس ، ومن يرتجى منهم النوال ويخشى البأس ، وختموا بعبد الله المستعصم كما فتحوا بعبد الله السفاح .) .
   وقد وردت الروايات المتواترة عن رسول الله و أمير المؤمنين صلوات الله عليهما ، أن بني أمية يفتحون بـ ( ميم ) و يختمون بحرف ( ميم ) ، وان بني العباس يفتحون بـ ( عين ) ويختمون بـ ( عين ) ، وان أهل بيت النبوة عليهم السلام أولهم محمد ، وأوسطهم محمد ، وآخرهم محمد صلوات الله عليهم .
     وأما عن حال قصر الخلافة وسيده الأكبر ، وما هم فيه من اللهو والفساد حتى اللحظات التي كان جيش الغزاة يحيطون بالقصر والقصف متواصل عليهم ، فيصف ذلك ابن كثير فيقول :
      (وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه ، وكانت من جملة حظاياه ، وكانت مولدة تسمى عرفة ، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعا شديدا ، وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب
" إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم" ، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز ، وكثرت الستائر على دار الخلافة ) وقال ابن كثير :
    (  وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس ، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة ،. وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة . فقيل ثمانمائة ألف ، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف ، وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نفس ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم ، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما ، وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء  رابع عشر صفر وعفي قبره ، وكان عمره يومئذ ستا وأربعين سنة وأربعة أشهر ، ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام ، وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد ، وله خمس وعشرون سنة ، ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن وله ثلاث وعشرون سنة ، وأسر ولده الأصغر مبارك وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم ، وأسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل والله أعلم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس ، والقتلى في الطرقات كأنها التلول ، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد ، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام ، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح ، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
    ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم ، وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه ، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى ، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى ، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى . وكان رحيل السلطان المسلط هولاكو خان عن بغداد في جمادى الأولى من هذه السنة إلى مقر ملكه ، وفوض أمر بغداد إلى الأمير علي بهادر ، فوض إليه الشحنكية بها وإلى الوزير ابن العلقمي فلم يمهله الله ولا أهمله ، بل أخذه أخذ عزيز مقتدر ، في مستهل جمادى الآخرة عن ثلاث وستين سنة ، وكان عنده فضيلة في الإنشاء ولديه فضيلة في الأدب ، ولكنه كان شيعيا جلدا رافضيا خبيثا ، فمات جهدا وغما وحزنا وندما . ) .
    وكما قال فيما تقدم ( وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما ) ، ثم قال (ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ) ، فسوف نلاحظ أن عاصفة الصحراء على يد بوش الأب ، استمرت اثنان و أربعون يوما . إنها المقادير .
    وسنلاحظ أيضا ، دور بعض فساق الشيعة وفساق السنة في التبرير للأمريكان واختلاق الأعذار لهم حول أسلحة الدمار الشامل .
 
مميزات المرحلة الثالثة :
1 ـ زوال ملك بني العباس ( الراية الأولى ) حيث أن لبني العباس رايتان ، أي ينزع الملك منهم ثم يعود إليهم مرة أخرى ، فينزعه منهم المرواني والسفياني في آخر الزمان ، وكلا الرايتان لعنهما رسول الله صلى الله عليه وآله ونهى عن نصرهما ، ففي كنز العمال :
 [ * إن لبني العباس رايتين أعلاها كفر ومركزها ضلالة ، فان أدركتها يا ثوبان فلا تستظل بها . ( طب - عن ثوبان )  .
 * إنها ستخرج رايات من المشرق لنبي العباس أولها منشور وآخر مثبور ، لا تنصروهم لا ينصرهم الله ! من مشى تحت راية من راياتهم أدخله الله تعالى يوم القيامة جهنم ، ألا إنهم شرار خلق الله وأتباعهم شرار خلق الله ، يزعمون أنهم مني ، ألا ؟ إني منهم برئ وهم مني براء ، علامتهم يطيلون الشعور ويلبسون السواد ، فلا تجالسوهم في الملاء ولا تبايعوهم في الأسواق ! ولا تهدوهم الطريق ! ولا تسقوهم الماء ! يتأذى بتكبيرهم أهل السماء . ( طب - أبي أمامة )  .
* ستكون لبني عمى مدينة من قبل المشرق بين دجله ودجيلة يشيد فيها بالخشب والآجر والجص والذهب يقال لها بغداد ، يسكنها شرار خلق الله وجبابرة أمتي ، أما إن هلاكها على يدي السفياني كأني بها والله قد صارت خاوية على عروشها. ( الخطيب عن علي )  ]  .
* حدثنا عبد القدوس عن ابن عياش عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي عن عبد الله بن أبي الأشعث الليثي قال تخرج لبني العباس رايتان إحداهما : أولها نصر وآخرها وزر لا ينصرونها ، لا نصرها الله ، والأخرى : أولها وزر وآخرها كفر، لا ينصروها ، لا نصرها الله . )  *
* عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام قال: ( لو أن أهل السماوات و الأرض خرجوا على بني العباس لسقيت الأرض من دمائهم حتى يخرج السفياني، قلت له : يا سيدي ، أمره من المحتوم ؟ قال : من المحتوم، ثم أطرق ، ثم رفع رأسه وقال : ملك بني العباس مكر وخدع ، يذهب حتى لم يبق منه شيء ، و يتجدد حتى يقال ما مرّ به شيء ) .
2 ـ إن الخليفة أو الرئيس الذي يكون دار ملكه الزوراء ،  يقتل ، وله ثلاث أولاد و ثلاث بنات ، ويقتل من أولاده أكبرهم و أوسطهم ، حيث قال ابن كثير : (وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد ، وله خمس وعشرون سنة ، ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن وله ثلاث وعشرون سنة ، وأسر ولده الأصغر مبارك وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم ) .
      ونريد من القارئ أن يختزن في ذاكرته عندما نأتي على الدورة الثانية ، أن صدام حسين كان له ابن ثالث غير ( عدي و قصي ) وهو (علي ) وهو من أم أخرى ، كانوا في ديوان الرئاسة يسمون بيتها (المواطنة ) لأنها كانت زوجة لأحد الطيارين ، أعجب بها صدام ، فارهب زوجها  وأرغمه على تطليقها ، فتزوجها صدام وأنجبت له (علي) ، وسنأتي على مناظرة بناته الثلاث ( رغدة ، و رنا ، و حلا ) .
3 ـ إن السنة التالية للغزو تبدأ وليس في العراق خليفة ولا رئيس من المسلمين ، قال ابن كثير : (. ثم دخلت سنة سبع وخمسين وستمائة استهلت هذه السنة وليس للمسلمين خليفة ) .
     وسنلاحظ هذه القاعدة : مع الحاكم العسكري الأمريكي ، ثم السفير الحاكم قبل تشكيل ( مجلس الحكم ) .
4 ـ إن الخليفة أو الملك أو الرئيس ، يُقتل خنقا ، ولا يُسفك من دمه شيء ، قال ابن كثير : ( فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله ، ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي ، والمولى نصير الدين الطوسي ... ، فلما قدم هولاكو وتهيب من قتل الخليفة هون عليه الوزير ذلك فقتلوه رفسا ، وهو في جوالق لئلا يقع على الأرض شئ من دمه ، خافوا أن يؤخذ بثأره فيما قيل لهم ، وقيل بل خُنِق )  , وسنلاحظ الطريقة التي اُعدم بها صدام شنقا ـ خنقا ـ  بالحبل .
    وهذا التقدير الإلهي في تخصيص طريقة القتل أو الموت ، يفسره كلام الإمام الحسين عليه السلام عند توجهه إلى العراق (خط الموت على ولد آدم مَخَطّ القلادة على جيد الفتاة ) :
   ( ومن كلامه عليه السلام لما عزم على الخروج إلى العراق : " الحمد لله وما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله صلى الله على رسوله وسلم ، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن منى أكراشا جوفا وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم". ) ، فلكلٍّ طريقة الموت أو القتل التي يموت بها أو يُقتل بها لا يتعداها ، وذلك تقدير العزيز العليم .
5 ـ تشهد هذه المرحلة انقطاع الحج من العراق ، فمن المقادير أن يتوقف الحج عدة سنوات بسبب الصراع السياسي والخلاف مع الحجاز ، ثم في أواخر هذه المرحلة يعود الحج بعد انقطاع ، قال ابن كثير :
   ( ثم دخلت سنة خمسين وستمائة هجرية ، وفيها حج الناس من بغداد ، وكان لهم عشر سنين لم يحجوا من زمن المستنصر .). وسنتناول توقف الحج من العراق سنين عديدة في هذه المرحلة بعد ( عاصفة الصحراء ) .
6 ـ تشهد هذه المرحلة بلوغ الاختلافات الطائفية درجة العدوانية ، وتكون ظاهرة التكفير من سماتها المميزة ، والسبب هو الشعور بالخطر من الآثار التي تترتب على زوال الملك ، والشعور بالغيظ والحقد عند الطرف الذي ينزع الله منه الملك.
    فبالإضافة لكل ما قاله ابن كثير من أقوال ( رافضي ، شيعي خبيث ، جلد ، متآمر ) ، فان ابن خلدون يصفه بفساد العقيدة ، لأنه يرفع ذكر ( الشيخين ) من الخطبة في الصلاة ، ويستبدلهما بالأئمة الاثنى عشر من أوصياء رسول الله صلوات الله عليهما .
 يقول ابن خلدون في ذكر بعض ملوك التتر: ( ولما هلك قازان ولى بعده أخوه خربندا وابتدأ أمره بالدخول في دين الإسلام ، وتسمى بمحمد وتلقب غياث الدين وأقر قطلوشاه على نيابته ، ثم جهزه لقتال الكرد في جبال كيلان وقاتلهم فهزموه وقتلوه وولى مكانه جوبان بن تدوان ، وأقام في سلطانه حَسِن الدين معظّما للخلفاء ، وكتب أسماءهم على سكته ، ثم صحب الروافض ، فساء اعتقاده وحذف ذكر الشيخين من الخطبة ، ونقش أسماء الأئمة الاثنى عشر على سكته ) .
   ولكون أننا في هذا الكتاب نبحث في فلسفة التاريخ ، ونحاول قدر الممكن تجنب الخلافات العقائدية ، إلا أننا لا يمكن أن نفهم فلسفة التاريخ في حقيقتها ما لم نفهم سبب ظهور التعصب في حقب معينة من الدهر ، والمقادير الإلهية في ظهور هذا التعصب ، ومنه التعصب للعجول ، سواء عند بني إسرائيل أو عند امة النبي محمد صلى الله عليه وآله .
   فان الغالبية الساحقة من الشعب العراقي من مختلف مذاهبه وطوائفه تجد أن التعصب الطائفي المستفحل في مجتمعنا اليوم ، ومنذ الغزو الأمريكي لبلادنا خاصة ، هو أمر غريب عن مجتمع متصاهر ومتداخل ومتعايش بشكل سلمي ، وكل طائفة تحترم معتقدات الطائفة الأخرى ، وان كانت تختلف معها ، فإننا نفهم هذا الوضع الشاذ والتعصب الأعمى ليس عند ابن كثير و ابن خلدون في تلك الحقبة ، بل ـ وهو الأهم لمصيرنا ـ هو ما نحن فيه اليوم من وضع ما أشبهه بذاك ، بل هو صورة طبق الأصل ، فإنها " المقادير الإلهية " . ومن اجل بيان ذلك نستفهم ونستعلم هذه الظاهرة من رسول الله برواية عنه من أمير المؤمنين صلوات الله عليهما.
    ففي حديث طويل جدا يروي أمير المؤمنين عليه السلام ، بعض ما جرى في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله ، فيقول الإمام علي عليه السلام :
   [..... ثم مررت بالصهاكي ( أي ، ابن صهاك : عمر بن الخطاب ) يوما فقال لي : " ما مثل محمد إلا كمثل نخلة نبتت في كناسة " ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرت له ذلك . فغضب النبي صلى الله عليه وآله وخرج مغضبا فأتى المنبر ، وفزعت الأنصار فجاءت شاكة في السلاح لما رأت من غضب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : ما بال أقوام يعيرونني بقرابتي ؟ وقد سمعوا مني ما قلت في فضلهم وتفضيل الله إياهم وما اختصهم الله به من إذهاب الرجس عنهم وتطهير الله إياهم ، وقد سمعتم ما قلت في أفضل أهل بيتي وخيرهم مما خصه الله به وأكرمه وفَضْـله ، مِن سَبْـقِه في الإسلام ، وبلاؤه فيه ، وقرابته مني ، وأنه بمنزلة هارون من موسى ، ثم تزعمون أن مثلي في أهل بيتي كمثل نخلة نبتت في كناسة ؟
..... إلى أن قال صلى الله عله وآله :
     أيها الناس ، انسبوني من أنا ؟ فقام إليه رجل من الأنصار فقال : نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله ، أخبرنا - يا رسول الله - من الذي آذاك في أهل بيتك حتى نضرب عنقه وليبر عترته . فقال : انسبوني ، أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم حتى انتسب إلى نزار ، ثم مضى في نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم خليل الله ، ثم قال : إني وأهل بيتي بطينة طيبة من تحت العرش إلى آدم نكاح غير سفاح لم يخالطنا نكاح الجاهلية .
   فسلوني ، فوالله لا يسألني رجل عن أبيه وعن أمه وعن نسبه إلا أخبرته به . فقام إليه رجل فقال : من أبي ؟ فقال صلى الله عليه وآله : أبوك فلان الذي تدعى إليه . فحمد الله  وأثنى عليه وقال : لو نسبتني إلى غيره لرضيت وسلمت . ثم قام إليه رجل آخر فقال له : من أبي ؟ فقال : أبوك فلان - لغير أبيه الذي يدعى إليه - فارتد عن الإسلام . ثم قام إليه رجل آخر فقال : أمن أهل الجنة أنا أم من أهل النار ؟ فقال : من أهل الجنة . ثم قام رجل آخر فقال : أمن أهل الجنة أنا أم من أهل النار ؟ فقال : من أهل النار .
     ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله - وهو مغضب - :
 ما يمنع الذي عير أفضل أهل بيتي وأخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي ، أن يقوم فيسألني : من أبوه ؟ وأين هو ، أفي الجنة أم في النار ؟
     فقام إليه عمر بن الخطاب فقال : أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله ، أعف عنا يا رسول الله عفا الله عنك ، أقلنا أقالك الله ، استرنا سترك الله ، اصفح عنا صلى الله عليك . فاستحى رسول الله صلى الله عليه وآله فكف .
    ثم أقبل علي عليه السلام على القوم فقال : سبحان الله ، مما أشربت قلوب هذه الأمة من بليتهما وفتنتهما ، من عجلها وسامريها .] 
     ومن اجل ذلك فان رجلا مثل ابن خلدون لا تساوي فلسفته وتحقيقاته عندنا حبة خردل ، فمن هو مريض القلب والنفس لا يمكن أن يكون هاديا للنفوس أو شافيا للعلل والأمراض القلبية ، ومن هو أعمى البصيرة لا يمكن أن يهدي الناس إلى سواء السبيل .
    وكذلك الحال مع ابن كثير ، فالمؤرخ الذي لا يكون موضوعيا في تناوله للحدث وأبعاده ، لا يمكن أن يكون محترما في رأيه وملاحظاته إذ هو من عبيد العجول ، وقد يلاحظ القارئ أننا في اغلب كتبنا نستعير هذا القول القرآني الذي هو من قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ )  ، فالقول والاستعارة ليس من إبداعنا ، بل هو قول أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله ، عن جبريل ، عن الخبير العليم تبارك وتعالى فيما ترمي إليه الآية الكريمة ، والعجل الذي تتخذه الناس إلها  ( مثال مستأنف ) يتكرر في كل زمن وعند كل امة ، فكان أبو بكر عجل الأمة ، وعمر سامريها ، ولكن ليس أبي بكر هو العجل الوحيد ولا الأخير ، ولا عمر هو ألسامري الوحيد ولا الأخير ، فما زالت العجول تتوالى ، من التيمي و العدوي ، إلى عجول بني أمية ، إلى عجول بني العباس ، إلى المستعصم آخر عجول ( الطبقة الأولى ) من بني العباس ، والذي يعبده ابن كثير وابن خلدون ، ومازالت العجول تتوالى ، ولم تنته بصدام حسين ، بل جاءت بعده عجول الشيعة ، حتى يأتي أمر الله .
    ولو أن الناس أو الأمة تفهم مرامي وإشارات القرآن الكريم ، كان لها أن تتساءل وتقول مثلا : إن الله تعالى قال : (  وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * )  ، فانه تعالى قد عفا عن أولئك ، فهل ندم الله سبحانه على عفوه وعاد من جديد يتوعدهم على ذنب تجاوز عنه وعفا عنه ؟  أم إن الغضب الإلهي على عبيد العجول هؤلاء ، هم أمثالهم و نظراؤهم في هذه الأمة في آخر الزمان ، إلا تسمع لقوله تعالى ( سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ ) فإذا غضب عزوجل فلا تقوم السموات والأرض لغضبه ، بل تقع السماء على الأرض ، فهل ذلك إلا في قيام الساعة ؟ نعوذ بالله من غضب الله .
     ولكي نعرض وجهات نظر أكثر من ( رافضي ) ومحاولاتهم لإصلاح ما أفسده بني العباس وشيعتهم ، ثم يحملون كل أسباب نزع الله لملكهم ، لهذا (الرافضي الشيعي الخبيث ... الخ ) ، فنستعرض بعض من محاولات ابن طاووس لتفادي النتائج الوخيمة لفساد سياستهم دون جدوى ، يقول ابن طاووس :
 ( ... كان قد غلب التتار على بلاد خراسان وطمعوا في هذا البلاد ووصلت سراياه إلى نحو مقاتلة بغداد في زمن الخليفة المستنصر جزاه الله عني بما هو أهله فكتبت إلى الأمير ( قشمر ) وكان إذ ذاك مقدم العساكر خارج بلد بغداد وهم مبرزون بالخيم والعدد والاستظهار ويخافون أن تأتيهم عساكر التتار وقد نودي في باطن البلد بالخروج إلى الجهاد ، فقلت له بالمكاتبة : " استأذن لي الخليفة واعرض رقعتي عليه في أن يأذن لي في التدبير ويكونون حيث أقول يقولون وحيث أسكت يسكتون حتى أصلح الحال بالكلام وقد خيف على بيضة الإسلام وما يعذر الله جل جلاله من يترك الصلح بين الأنام وذكرت في المكاتبة أنني ما أسير بدرع ولا عدة إلا بعادتي من ثيابي ولكني أقصد الصلح بكل ما في أيديكم لله جل جلاله ولا أبخل بشئ لا بد منه وما أرجع بدون الصلح فإنه مما يريده الله عز وجل ويقربني منه " ، فاعتذروا وأرادوا غير ما أردناه .
    وقد حضرت عند صديق لنا وكان أستاد دار وقلت له تستأذن لي الخليفة في أن أخرج أنا وأخي الرضا وأولاد محمد بن محمد بن محمد الأعجمي ونأخذ معنا من يعرف لغة التتار ونلقاهم ونحدثهم بما يفتح الله جل جلاله علينا لعل الله جل جلاله يدفعهم بقول أو فعل أو حيلة عن هذه الديار ، فقال نخاف تكسرون حرمة الديوان ويعتقدون أنكم رسل من عندنا ، فقلت : تغدوا معنا ديوانية ومن تختارون ومتى ذكرناكم أو قلنا إننا عنكم يحملون رؤوسنا إليكم ، فقد أنجاكم ذلك وأنتم معذورون ونحن إنما نقول إننا أولاد هذه الدعوة النبوية والمملكة المحمدية وقد جئنا نحدثكم عن ملتنا وديننا فإن قبلتم وإلا فقد أعذرنا إلى الله جل جلاله وإلى رسوله صلى الله عليه وآله ، فقال : اجلس بي موضع منفرد ، أشار إليه ، وظاهر الحال أنه أنهى ذلك إلى المستنصر جزاه الله عني ما هو أهله ثم أطال وطلبني من الموضع المنفرد وقال ما معناه : إذا دعت الحاجة إلى مثل هذا أذنا لكم لأن القوم الذين قد أغاروا ما لهم متقدم تقصدونه وتخاطبونه وهؤلاء سرايا متفرقة وغارات غير متفقة . فقلت لهم : إذا تركتم الإذن لنا في ذلك فقد حصل لنا إخلاص في النية فنخاف أن تطلبونا وقت الأذان وما كان عندنا هذا الإخلاص فلا نوافقكم على الخروج إليهم فلم يأذنوا في ذلك . وكذا جرى فإنني كنت استأذنت الخليفة في زيارة مولانا الرضا عليه التحية والثناء بخراسان فأذن وتجهزت وما بقي إلا التوجه إلى ذلك المكان فقال من كان الحديث في الإذن إليه قد رسم أنك تكون رسولا إلى بعض الملوك فاعتذرت وقلت هذه الرسالة إن نجحت ما يتركوني بعدها أتصرف في نفسي إلا لا أزال رسولا وإن جنحت صغر أمري عندكم وانكسرت حرمتي واعتقدتم أنني ما أعرف القيام بمثل هذا ثم لو توجهت كان بعدي من الحساد من يقول لكم إنه يبايع ملك التتر ويجئ به إلى هذه البلاد وتصدقونه وتصير همتكم في إنفاذ من يقتلني بالسم وغيره ، فقال وما يكون العذر ؟  قلت : إنني أستخير وإذا جاءت لا تفعل فهو يعلم أنني لا أخالف الاستخارة أبدا ، فاستخرت واعتذرت 
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 2:19 am

المرحلة الرابعة:
      أما المرحلة الرابعة ، فتكون بعد ستة أعوام تقريبا من بداية المرحلة الثالثة ، وعلى وجه الدقة تنقص شهرين من الأعوام الست ، بحيث تكون بعد بداية المرحلة الثانية  بـ ( ثمانية عشر عاما ) بالتمام والكمال .
   ويمكن وصف هذه المرحلة بأنها بداية ردّ الكرة ، في قوله تعالى ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم ) . ففي الدورة التاريخية الأولى ( القرنين الحادي عشر والثاني عشر ) كانت بداية هذه المرحلة سنة (662 هج ) ، ويكون ضعف الغزاة ظاهرا في هذه المرحلة ، وذلك بخروج المُلك من قائد أو رئيس أو مَلِك الغزاة ، أما بهلاكه وموته ، أو بنزع المُلك منه وخروجه إلى جهة تعارضه أو اضعف منه . فالتقدير أن ينزع الله منه الملك إلى جهة اضعف ، فإذا كان هناك أسلوب لتداول الملك يؤدي إلى النتيجة المقدرة ، كان بها ، وإلا فالموت أو القتل والله العالم ، أي بمعنى : إذا كان الأسلوب المتبع في انتقال الملك هو " الانتخابات " مثلا ، ففي شهر صفر حيث يكون تكملة ثمانية عشر عاما ، يُنزع الملك من قائد الغزاة إلى غيره أو إلى معارض له أو مختلف معه في سياسته ، بحيث يؤدي إلى ضعف الغزاة .
    قال ابن خلدون في تاريخه : ( ثم هلك هولاكو سنة ثنتين وستين لعشر سنين من ولايته العراق والله أعلم) ، ورغم خطأ ابن خلدون بقوله ( لعشر سنين ) والصحيح ( لست سنين ) حيث أن الغزو كان في سنة ( 656 هج ) ، مع ذلك فان المهم هو متى انتهت ولاية هولاكو .
 أما ابن كثير فمرة قال سنة ثنتين وستين ، ثم قال ( وقيل سنة ثلاث وستين وستمائة ) .
فقال في أخبار سنة ( 662 هج )  : (وفيها جاءت الأخبار بأن سلطان التتار هولاكو هلك إلى لعنة الله وغضبه في سابع ربيع الآخر بمرض الصرع بمدينة مراغة ، ودفن بقلعة تلا وبنيت عليه قبة واجتمعت التتار على ولده  أبغا) .
    ثم قال بعد ذلك : (كان لا يتقيد بدين من الأديان ، وإنما كانت زوجته ظفر خاتون قد تنصرت وكانت تفضل النصارى على سائر الخلق ، وكان هو يترامى على محبة المعقولات ، ولا يتصور منها شيئا ، وكان أهلها من أفراخ الفلاسفة لهم عنده وجاهة ومكانة ، وإنما كانت همته في تيسير مملكته وتملك البلاد شيئا فشيئا ، حتى أباده الله في هذه السنة ، وقيل في سنة ثلاث وستين )  . وعليه فان الخبر الأرجح هو سنة ( 662 هج ) أي في السنة السادسة من الغزو .
 
مميزات المرحلة الرابعة :
1 ـ إن هذه المرحلة في الواقع هي مرحلة طويلة ، تشكل السنة الأولى فيها بعد الأعوام الست من المرحلة الثالثة ، نقطة تحول في مسار التاريخ ومجرى الأحداث بشكل عام ، وتستمر بداية هذه المرحلة عاما كاملا ، وفي العام التالي ـ وتحديدا ، بداية السنة السابعة ـ تشكل انعطافا هاما وحاسما ، ومتصاعدا ومتسارعا ، يلاحظ فيه سرعة انهيار القوات الغازية ، وارتفاع عال في همة وعزم ومعنويات  القوى التحررية المقاومة للاحتلال والغزو .
    إننا في الواقع  لا يمكن أن نستوف علمية وموضوعية البحث في عينة بحثية منفصلة عن المحيط الكلي لمجرى الأحداث ، ولابد أن نتعرض للمحيط العام كليا ، ولكن المشكلة في ذلك أننا نحتاج إلى قارئ ذي ذهنية قوية تحفظ وتتفاعل وتستخلص و تتابع معنا التطورات التي نريد له تحليلها معنا ، ولكون أننا لا نكتب ولا نستخلص لطبقة معينة من المفكرين أو المتفكرين ، لذا فإننا نضطر إلى حصر العينة البحثية في نطاق محدد ، ولتلافي هذا النقص والتفريط سنقدم هذا الشرح الموجز للمحيط الخارجي المؤثر والمتفاعل وغير المعزول عن مجرى الأحداث:
   إن كل الفترة الزمنية موضوع التحقيق ، التي تتابع تناظر أحداث الغزو القادم من المشرق ( سواء في الدورة التاريخية الأولى ـ التتر المغول ، أو في الدورة التاريخية الثانية ـ الغزو الأمريكي ) ، فان غزوا آخر من المغرب تدور رحى الحرب فيه على المحور الغربي ، وبنفس الشدة والعنف ، وبنفس التطورات وبمتغيرات مجرى الأحداث ذاتها ، ففي حين كان التتر المغول من جهة المشرق ، كان الإفرنج  من جهة المغرب ، وذلك في الدورة التاريخية الأولى (القرنين الحادي عشر والثاني عشر ) .
   أما في الدورة التاريخية الثانية ( القرنين الثالث والعشرين والرابع والعشرين ) ، فان جهة المغرب تدور رحا حروبها  مع عدة أمم غير الإفرنج ، فبالإضافة إلى الإفرنج كان الانجليز ( العدوان الثلاثي على مصر ) والاستعمار الفرنسي لدول المغرب فيما سبق ، والانجليزي لمصر فيما سبق ، وعلى مدى القرن الحادي عشر ، والثالث والعشرين ،
 والاهم من كل ذلك على محور المغرب هو الاحتلال الإسرائيلي ، الذي لم تتوقف رحى الحرب فيه بل تدور من بلد إلى بلد .
    ولذا فان من خصائص المرحلة الرابعة فان المحورين المشرقي والمغربي يلتقيان في هذه المرحلة ، وهو ما يشير إليه قوله تعالى ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ* فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ*)، وتتوحد فيه أهداف المحورين ، فيقاتلون كافة ، واليه عيانا وتحديدا يشير قوله تعالى : (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * ).
    وفي الواقع فان هذه الآيات مرتبطة بما قبلها وما بعدها ، فعدة الشهور والأربعة الحرم منها وما ترمي إليه هي سبب الحروب والملاحم والفتن ، والنسيء في الأشهر زيادة في الكفر (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ *) 
 ، ذلك لان النظامان الشمسي والقمري يتلاقحان في هذه المرحلة ، ويجب على العالِم والقائد و" الخليفة " أن لا يغفل عن ذلك ، ولذلك ترى أننا نعطي التاريخ كما هو في المقادير ، فان كان من النظام الشمسي أعطيناه بالأعوام ، وان كان من النظام القمري أعطيناه بالسنين ، وفي هذه المرحلة تتداخل و تتناغم الأنظمة بالتقدير ، فتكون الفترة هي أواخر القرن الشمسي الثاني عشر ـ ابتداء من غيبة الإمام المهدي عليه السلام ـ وكما اخبر بها في الإنجيل .
   بينما تكون أواخر القرن القمري الثاني عشر ـ للدورة الثانية ـ ابتداء من يوم هجرة رسول الله صلى الله عليه وأله ، وكما اخبر بها الإمام علي عليه السلام .
قال ابن خلدون : ( وكان صاحب الشأم يومئذ الناصر بن العزيز محمد بن الظاهر غازى بن صلاح الدين فلما بلغه استيلاء هولاكو على بغداد بعث إليه ابنه بالهدايا والمصانعة والعذر عن الوصول بنفسه لمكان الإفرنج من سواحل الشأم فقبل هديته وعذره ورجع ابنه بالمواعيد ولم يتم لهولاكو الاستيلاء على الجزيرة وديار بكر وديار ربيعة وانتهى ملكه إلى الفرات وتاخم الشأم وعبر الفرات سنة ثمان وخمسين فملك البيرة ، ثم سار إلى حلب فحاصرها مدة ثم ملكها ... ثم جهز العساكر إلى دمشق وارتحل الناصر إلى مصر ورجع عنه الصالح بن الاشرف صاحب حمص إلى هولاكو فولاه دمشق وجعل نوابه بها لنظره وبلغ الناصر إلى ثم استوحش الخليفة من قطز سلطان مصر لما كان بينهما من الفتنة فخرج إلى هولاكو فأقبل عليه واستشاره في إنزال الكتائب بالشأم فسهل له الأمر في عساكر مصر ورجع إلى رأيه في ذلك وترك نائبه كيبغا من أمراء التتر في خف من الجنود فبعث كيبغا إلى سلطان مصر وأساء رسله بمجلس السلطان في الخطاب بطلب الطاعة فقتلهم وسار إلى الشأم فلقى كيبغا بعين جالوت فانهزمت عساكر التتر وقتل كيبغا أميرهم ... وزحف التتر إلى حلب فأجفل عنها واجتمع مع صاحبها المنصور على حمص وزحفوا إلى التتر فهزموهم وسار التتر إلى افامية فحاصروها وهابوا ما وراءها وارتحلوا إلى بلادهم وبلغ الخبر إلى هولاكو فقتل الناصر صاحب دمشق لاتهامه إياه فيما أشار به من الاستهانة بأهل مصر .)  .وهذا كله مما اختصره أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة البيان ، بقوله (ع) :
( فهناك تسمع الأعوال وتصحب الأهوال ، فإذا لا تطول لهم ...... فإذا أتاهم الحين الأوجر وثبت عليهم التعدد الأقطر بجيشه الململم المكرر وهو رابع العلوج المستقر المظفر ونوايب القدر ، بجيش يلملمه الطمع ويلهبه ، فيسوقهم سوق الهميان وينكص شياطينهم بأرض كنعان ، ويقتل جيوشهم العفف ويحل بجمعهم التلف ، فيتلايم منهم عقيب الشتات من فلك النجاة إلى الفرات ، فيثيرون الواقعة الثانية ، إذ لا مناص وهي الفاصلة المهولة قبل المغاص ، فيغريهم على الإسلام الكثرة ، فهناك تحل بهم الكسرة ) . الخطبة .
وسنستعرض بعدئذ شيئا يسيرا من الملاحم على المحور الغربي .
2 ـ من خصائص هذه المرحلة ظهور ( صحابي مصر ) ، وسيكون لنا كلام مهم عن صحابي مصر في الدورة التاريخية الحالية.
   أما في الدورة الأولى ( القرنين الحادي عشر والثاني عشر : 600 ـ 720 هج ) فلعله الظاهر بيبرس والله العالم .
 
المحور المغربي :
     في الوقت الذي أخذنا فيه المحور المشرقي للدراسة والبحث والمطابقة ، فان المحور المغربي كان يشهد فتنة عظيمة مع الإفرنج والروم ، ولكن كان الإفرنج هم العنصر المسيطر والفاعل في الغزو طوال القرنين الحادي عشر والثاني عشر ـ تماما كما هو حال المحور المغربي في القرنين الثالث والعشرين و الرابع والعشرين ، ولكي يكون لدينا تصور شامل عن تطور المرحلة الرابعة إلى نهايتها ، فلا بأس أن نستعرض الفتنة على المحور المغربي ولو بشكل مختصر .
قال ابن خلدون :
 ( واقعة الاسكندرية ) : كان أهل جزيرة قبرص من أمم النصرانية وهم من بقايا الروم وانما ينتسبون لهذا العهد إلى الإفرنج لظهور الإفرنج على سائر أمم النصرانية ، وكانت على أهل قبرص جزية معلومة يؤدونها لصاحب مصر وما زالت مقررة عليهم من لدن فتحها على يد معاوية أمير الشأم أيام عمر وكانوا إذا منعوا الجزية يسلط صاحب الشام عليهم أساطيل المسلمين فيفسدون مراسيها ويعيثون في مواحلها حتى يستقيموا لأداء الجزية وتقدم لنا آنفا في دولة الترك أن الظاهر بيبرس بعث إليها سنة تسع وستين وستمائة أسطولا من الشوانى وطرقت مرساها ليلا فتكسرت لكثرة الحجارة المحيطة بها في كل ناحية ثم غلب لهذه العصور أهل جنوة من الإفرنج على جزيرة رودس حازتها من يد لشكري صاحب القسطنطينية سنة ثمان وسبعمائة وأخذوا بمخنقها وأقام أهل قبرص معهم بين فتنة وصلح وسلم وحرب آخر أيامهم وجزيرة قبرص هذه على مسافة يوم وليلة في البحر قبالة طرابلس منصوبة على سواحل الشأم ومصر واطلعوا بعض الأيام على غرة في الإسكندرية وأخبروا حاجبهم وعزم على انتهاز الفرصة فيها فنهض في أساطيله واستنفر من سائر الإفرنج ووافى مرساها سابع عشر من المحرم سنة سبع وستين في أسطول عظيم يقال بلغ سبعين مركبا مشحونة بالعدة والعدد ومعه الفرسان المقاتلة بخيولهم فلما أرسى بها قدمهم إلى السواحل وعبى صفوفه وزحف .... ووصل القوم إلى الباب فأحرقوه واقتحموا المدينة واضطرب أهلها وماج بعضهم في بعض ثم أجفلوا إلى جهة البر بما أمكنهم من عيالهم وولدهم وما اقتدروا عليه من أموالهم وسالت بهم الطرق والاباطح ذاهبين في غير وجه حيرة ودهشة وشعر بهم الأعراب أهل الضاحية فتخطفوا الكثير منهم ، وتوسط الإفرنج المدينة ونهبوا ما مروا عليه من الدور وأسواق البر ودكاكين الصيارفة ومودعات التجار وملئوا سفنهم من المتاع والبضائع والذخيرة والصامت واحتملوا ما استولوا عليه من السبى والأسرى وأكثر ما فيهم الصبيان والنساء ثم تسايل إليهم الصريخ من العرب وغيرهم فانكفأ الإفرنج إلى أساطيلهم وانكمشوا فيها بقية يومهم وأقلعوا من الغد وطار الخبر إلى كافل الدولة بمصر الأمير بيبقا فقام في ركائبه وخرج لوقته بسلطانه وعساكره ...  فأمر بإنشاء مائة أسطول من الأساطيل التي يسمونها القربان معتزما على غزو قبرص فيها بجميع من معه من عساكر المسلمين بالديار المصرية واحتفل في الاستعداد لذلك واستكثر من السلاح وآلات الحصار وكمل غرضه من ذلك كله في رمضان من السنة لثمانية أشهر من الشروع فيه فلم يقدر على تمام غرضه من الجهاد لما وقع من العوائق )
وقال الذهبي :
 ( وفي سنة 609 : الملحمة الكبرى بالأندلس وتعرف بوقعة العقاب بين الناصر محمد بن يعقوب المؤمني وبين الإفرنج ، فنزل النصر لكن استشهد خلق كثير)
وقال الذهبي أيضا :
وفي سنة 614 : أقبلت جيوش الإفرنج لقصد بيت المقدس والأخذ بالثأر ، ووصلوا إلى بيسان ، وتأخر العادل فتبعوه ، ونزل بمرج الصفر واستحث العساكر والملوك وضج الخلق بالدعاء وكانت هدنة فانفسخت ونهبت الإفرنج بلاد الشام ووصلوا إلى الخربة ، وحاصروا قلعة الطور التي بناها المعظم مدة ، وعجزوا عنها ، ورجعوا فجاء المعظم ، وخلع على من بها ، ثم اتفق هو وأبوه على هدمها ، وأخذت خمس مئة من الإفرنج جزين وفر رجالها في الجبل ، ثم بيتوا الإفرنج ، فاستحر بهم القتل حتى ما نجا من الإفرنج سوى ثلاثة . وبادرت الإفرنج إلى قصد مصر لخلوها من العساكر ، وأشرف الناس على التلف وما جسر العادل على الملتقى لقلة من عنده من العساكر ، فتقهقر .
 ودخلت سنة 615 : فنازلت الإفرنج دمياط ، وأقبل الكامل ليكشف عنها فدام الحصار أربعة أشهر ، ومات العادل وخلص واستراح . وفيها كسر الاشرف صاحب الروم ، ثم أقبل وأخذ معه عسكر حلب مغيرا على سواحل الإفرنج . وأخذت الإفرنج برج السلسلة من دمياط ، وهو قفل على مصر ، برج عظيم في وسط النيل فدمياط بحذائه ، والجيزة من الحافة الغربية ) .
وهذه صور عن الفتنة على المحور المغربي ، قديما و حديثا ، نعود بعدها إلى محور البحث .
    والى هذه السنة من التاريخ ، سنة ( 662 هج ) التي تمثل بداية المرحلة الرابعة نتوقف ، لأنها تقابل السنة التي نحن فيها الآن ، سنة ( 1430 هج) ـ نهاية الثمانية عشر عاما فترة ( الغاشية ) ، وبعد إجراء المطابقة والمقارنة ، ننطلق إلى هدفنا من البحث ، وهو : قراءة أحداث المستقبل وأحداث السنة المقبلة ( 1431 هج ) في ضوء فلسفة التاريخ ، وحسب نظرية ( التكوير والتكرير ) التي تكلم عنها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة البيان .
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 2:22 am

الفصل السادس
 
الدورة التاريخية الثانية
( القرنان الثالث والعشرون والرابع والعشرون)
 
    كما قمنا باستعراض المراحل التاريخية الأربعة من الدورة التاريخية الأولى ( القرنين الحادي عشر ، والثاني عشر ) ، سنقابل ونقارن ذلك مع المراحل التاريخية الأربعة من الدورة التاريخية الثانية ( القرنين الثالث والعشرين ، والرابع والعشرين ، أي : من سنة 1320 ـ 1440 هج ) .
المرحلة الأولى :
    كما قلنا إن المرحلة الأولى تستمر ثلاثون سنة ، فان هذه المرحلة تدور أحداثها في بلاد ما وراء النهر ، والتي يخرب فيها الترك إلى أذربيجان ، حسب أخبار الحديث النبوي الشريف ( للترك خرجتان ، في الأولى يخربون إلى أذربيجان ... ) .
    لعل هذا التاريخ مازال ماثلا أمام أعيننا ولا تزال تأثيرات أحداثه فاعلة في الجغرافيا السياسية للمنطقة ـ تماما كما هو الحال فيما سبق ـ وان اختلفت القراءات السياسية لهذه الحقبة التاريخية ، فمن الطبيعي أن تكون قراءة القوى اليسارية لها تختلف عن قراءة القوى اليمينية ـ حسب التعبيرات السائدة اليوم ـ ولكن قراءتنا لها ليس بصفتنا يساريين أو يمينيين ، وإنما طبقا لقراءة الأحاديث النبوية ، وحسب قراءة أمير المؤمنين لها ، وبتعبير أدق : حسب ما يعلمه الله من عواقب الأمور ونوايا الخلق ومآل الأحداث التاريخية ، والنتائج التي ستتمخض عنها .
    فعلى مدى الثلاثين سنة بعد الحرب العالمية الثانية ، وقيام حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) ، ثم محاولة روسيا إقامة حلف موازي له وعدم السماح للولايات المتحدة للاستفراد بالعالم والهيمنة عليه بمفردها ، دارت أحداث هيجان الترك في أوج الحقبة الستالينية ، وقد بدأت هذه الفترة بغزو تشيكوسلوفاكيا عام ( 1962 م ) وإسقاط نظامها ذي الميول الغربية ، ثم استمر التحرك العسكري والسياسي في تلك المنطقة حتى قيام حلف وارشو بقيادة روسيا وتشكيل دول الاتحاد السوفيتي ، حيث امتد هذا الحلف إلى أذربيجان ، ولم يتجاوزه إلى ما بعد أذربيجان طوال المرحلة الأولى ، ومازالت مخلفات تلك الفترة كالقنبلة الموقوتة ، التي ستنفجر يوما ما ، حيث كان من نتائج تلك الفترة فصل إقليم ( ناغورنو كاراباخ ) الأذربيجاني و ضمه إلى أرمينيا ، وبين يوم وآخر توشك الحرب أن تندلع بين أذربيجان و أرمينيا بسبب هذا الوضع .
     ولكن ما حدث خلال هذه المرحلة من ظلم وتعسف تعرضت له الشعوب الإسلامية في تلك المنطقة ، وخاصة ( وادي فرغانة ) وتمزيقه بين عدة جمهوريات ـ الذي سيكون له دور مهم في ظهور الإمام المهدي عليه السلام ـ فان هذه الدول والشعوب تعرضت إلى التقسيم والتجزئة والاضطهاد الديني بشكل أدى في النهاية إلى تمزيق هذا الحلف ، وكان مما حدث في الدورة الأولى ، لوادي فرغانة ، ما ذكره الذهبي ، قال :
 ( ومما أبادوه بلاد فرغانة ، وهي سبع مماليك ، ومتى التمس الشخص رحمتهم ، ازدادوا عتوا ، وإذا اجتمعوا على خمر ، أحضروا  أسارى ويمثلون بهم بأن يقطعوا أعضاءهم ، فكلما صاح ، ضحكوا ، نسأل الله العافية . وقد جمع فيهم من كل وحش ردئ خلقه .) 
     وعلى أية حال ، فقد استمر تخريب الترك على مدى الثلاثين سنة حتى انتهى بالتدخل العسكري في أفغانستان ، وتغيير نظامه السياسي القريب منهم إلى رئيس شيوعي وهو بابراك كارمل ، مما أدى إلى اشتعال الحرب في أفغانستان ، ودخول أمريكا والسعودية على الخط ، ثم خروج السوفيت من أفغانستان ، ثم مجيء غورباتشوف وتمزيق حلف وارشو ، وتفكيك الجمهوريات السوفيتية مع نهاية المرحلة الأولى ، ودخول المرحلة الثانية ، حيث انتهت المرحلة الأولى تماما مع حرب عاصفة الصحراء على العراق بعد غزو الكويت ، واستمرت هذه الفترة من عام ( 1962 ـ 1991 م ) وتعادل بالسنين ، ثلاثين سنة ، وهي تقابل الفترة من ( 613 هج ـ 643 هج ) ، وكل الأحداث التي جرت في هذه المنطقة ، هي نفس سيناريو الأحداث التي حدثت في ذلك الزمن .
     على أننا في هذه الطبعة من البحث نضع أساسا لنظرية جديدة لفلسفة التاريخ ، نأمل في المستقبل ـ إن أدركنا الوقت ـ تطويره إلى قواعد تستند إلى الوثائق السرية أو التي تم الكشف عنها للتاريخ حديثا، مما هو غير متوفر لنا حاليا ، لقراءة كل تاريخ العالم في ضوء ( التكوير والتكرير ) . لافتين الانتباه إلى ما أجريناه من مطابقات في كتاب عولمتنا .. ، من أن الأمريكيين الذين قادوا أحداث هذه الفترة من القادة العسكريين ، هم من ( بني قنطورة ) ، أما من الترك أو من الافاطس ( التتر ) وغيرهم من الأجناس الصينية ، حيث أن أمريكا هي بلد الأخلاط والأمشاج ـ كما وصفها الإمام علي عليه السلام ـ أي من أمم مختلفة ، ولكن الفاعل في هذه الأحداث هم من الترك .
 
مميزات هذه المرحلة :
 1 ـ  كما شاهدنا التصريحات النارية والتهديدات الجوفاء لـ ( خوارزم شاه ) في الدورة الأولى ، ووعيده لجنكيز خان ، ثم فراره المخزي بحيث أن قلعة حصينة في الهند لم تجعله يشعر بالأمان من الخوف ، وأصيب بمرض الهلوسة ، فما زالت أصداء تصريحات صدام حسين النارية وتهديداته الجوفاء لبوش و أمريكا و دول التحالف ، تشكل صدمة لكل المخدوعين من شعوب عربية وغير عربية ممن تعاطف معه ضد الهمجية الأمريكية ، بحيث جعل هؤلاء المخدوعين يظنون بأنه يمتلك أسلحة نووية ، أو أسلحة تدمير شامل سيستخدمها في الوقت المناسب ويلقن أمريكا درسا لن تنساه ، ولم تنفع كل النصائح العربية وغير العربية معه للانسحاب من الكويت ، سواء كانت هذه النصائح صادقة و حريصة وقلقة على مستقبل العراق والمنطقة ، أو المنافقة و الانتهازية كتصريحات حسني مبارك ( دي أمريكا يا صدام ) .
   ولكن إلقاء القبض عليه في جحر في باطن الأرض في صحراء منقطعة ، وتركه لجيوشه وقياداته قبل وصول القوات الغازية إلى بغداد ، مازال يثير التساؤلات لدى كل المخدوعين بشخصيته التي وصفها أمير المؤمنين عليه السلام بأصدق وأدق وصف حتى كأنه محلل نفسي أكثر منه إماما ، حيث وصفه عليه السلام قائلا :
 (إذا مشى يخبط الأرض برجليه ويتبختر في سيره ، معلل النفس خائف الروح قبيح المنظر اسود الشعر ، في عينيه سفك الدماء في كلامه غرور الشر في منطقه ظلالة العصور، ملفلغ الحنك اسمر اللون كبير الأنف واسع الفم اشهل العينين ، فهو المقلاص المغرور ، الخبيث الخبيث الجبان المتخلف ، وهو خيمة للكافرين وينبع من ارض خبيثة يقال لها ما بين هيت والأنبار وهي أخبث طينة وأنجس مغرس وهو أقبح صلب يلبس الأخضر من الثياب ،  يتملق الناس له كتملقه الأقصى ويتلونون تلونه ، كإسلوب الحرباء ، ويلوح كلوح العقرب ويعض كعضة الكلب للذئب ، طبعه المراهقة والخداع والليونة والشدة ، يعيد حضارة بابل القديمة ، ويعلق القلائد ، ويعطي الأموال ويوعز النساء ويأخذ فلذة الأكباد ، مكتوب على جبينه كافر ، فلا يراها الناس) .
     وفي الواقع فإنها شخصية غريبة هذه التي تجمع بين كل هذه المتناقضات ، من شدة العدوانية ، وشدة الخبث ، مع روح شديدة الخوف ، مع جبن يجعله يعض كعضة الكلب للذئب ويلوح كالعقرب ليس من شدة بأس ، بل خوفا ورعبا وجبنا .
     وعلى أية حال ، فان ما يجمع بين الشخصيتين من جهة المقادير ليس بقدر ما يجمع بينه وبين الخليفة المستعصم كما سنرى .
   2 ـ كما لاحظنا انطلاق الغزو في هذه المرحلة ـ في الدورة الأولى ـ من أقصى مشرق الأرض ، ومن خلف الحدود المائية مما وراء النهر ، ففي الثانية نجد انه ينطلق من أقصى مغرب الأرض ، ومن خلف الحدود المائية العظيمة ، من محيطات وبحار .
 
المرحلة الثانية :
     وهذه المرحلة هي التي تستمر اثنى عشر عاما حسب الحديث النبوي ، وهي المرحلة الأولى من ( الغاشية : هل أتاك حديث الغاشية ) التي تستمر بمرحلتيها ثمانية عشر عاما .
    ولقد بدأت هذه المرحلة يوم ( 17 / 1 / 1991 م ) في الساعة الثانية والنصف ليلا من فجر ذلك اليوم ، واستمرت إلى يوم ( 17 /3 / 2003 م ) ، واُعلِنت الحرب على العراق فيما يسمى بـ ( عاصفة الصحراء ) بأوامر الرئيس الأمريكي جورج بوش ، وقيادة الجنرال الأمريكي نورمان شوارتزكوف .
     وكما هو حال بغداد يوم جنكيز خان والمستعصم حيث أقيمت الاحتفالات بانتصارات الخليفة بعد الأيام الأولى ، فقد أقام صدام الاحتفالات الصاخبة بانتصار القائد المنتصر ، رغم الخراب والدمار فانه يصر على انه منتصر ، فمادام عرش الخليفة لم يسقط فهو منتصر ويجب الاحتفال بهذا الانتصار ، ولكن هذه الاحتفالات لم تدم طويلا ، حتى ظهرت الفاقة والجوع والمرض وانعدام الدواء ، وتحول القائد إلى لص يستولى على أموال الناس بالتبرع الإجباري وبالترهيب للتبرع بالذهب للمجهود الحربي ، وبيع ممتلكات الدولة للقطاع الخاص ، وسرقة النفط وبيعه لحسابه الخاص ، وانخفاض قيمة العملة إلى درجة السقوط ، فظهر الفساد ليس في المجتمع ، بل في أهم المؤسسات الأمنية للنظام ، من مخابرات واستخبارات وقوات طوارئ وحرس جمهوري وغيره ، بل استشرى الفساد داخل العائلة المالكة وفقد الكل ثقته بالكل ، وأصبحت جميع الذمم معروضة للبيع ، وكما لاحظنا في قول ابن كثير حول ظاهرة تسول الجنود في الأسواق ، فقد تحولت الأجهزة الأمنية والعسكرية بين متسول ، أو عصابات للسلب والابتزاز .
   أما ما ذكره ابن كثير وابن خلدون عن ( فتنة عظيمة بين الرافضة وأهل السنّة ) في هذه المرحلة ، فما زالت المقابر الجماعية للـ ( الروافض ) سواء شيعة العرب أو شيعة الأكراد ( الفيلية ) تشهد على بشاعة الجريمة التي ارتكبها النظام السياسي الحاكم بحق الشعب ، وحيث أننا لا نمارس النفاق السياسي ، ولا نتحسب لصناديق الاقتراع الانتخابية ، فإننا نقول وبحق : أنها كانت فتنة طائفية بامتياز ، وبتعبير أدق .. تم تحويلها إلى فتنة طائفية ، لان الأرضية كانت خصبة للفتنة الطائفية .
   فلقد كانت انتفاضة الشعب العراقي في البداية ، انتفاضة سياسية طبيعية كرد فعل طبيعي للاحتجاج على الهزيمة والعار الذي ألحقه صدام وقياداته بالبلد وبالجيش ، وكان الجيش ـ الحرس الجمهوري خاصة ـ هو أول من بدأ بإطلاق النار على جداريات صور صدام في البصرة ، لاعتقاد الحرس الجمهوري بأنه تعرض للمهانة والهزيمة بسبب فشل القائد في إدارة المعركة واتخاذ قرارات كلها خاطئة إلى اللحظة الأخيرة ، ومنها القرار الأخير بالانسحاب بعد كل الخسائر والتضحيات التي قدمها بانتظار الهجوم البري والالتحام مع الجيوش الغازية ، التي كان الجيش يعتقد بأنه سيثأر فيها ويلحق الهزيمة بالعدو ، وبناء على دراستنا للأمور في مجال فلسفة التاريخ ، فان ذلك كان أمرا ممكنا ، ولو بشكل يرد الاعتبار للجيش .
     إذن فالانتفاضة لم تكن طائفية أساسا ، ولكن النظام السياسي هو الذي حولها إلى فتة طائفية لشق الصفوف وتفريق الاتجاهات ، فقام بقتل أكثر من ثلاثمائة وخمسون ألف نفس من الشيعة ، منهم أطفال ونساء ، وكان مما قام به في معسكر المحاويل : إجبار النساء والرجال على شرب البنزين ثم إطلاق أطلاقات من نوع ( حارق خارق ) على بطونهم ، وإشعالهم .
      أما " الفتنة " المناظرة لتلك الفتنة التي تحدث عنها ابن خلدون وابن كثير ، فكانت بعد اغتيال السيد محمد محمد صادق الصدر ، حيث كانت جموع المصلين خلفه بلغت الأربعة ملايين في جميع أنحاء العراق ، وبعد اغتياله قامة الانتفاضة الثانية والتي شملت بغداد بالدرجة الأولى ، وفي جميع أحيائها وضواحيها الشيعية ، وقد استخدم صدام فيها الآليات المدرعة والدبابات لمحاصرة المصلين وقمعهم واعتقال وإعدام الكثير منهم ومن قياداتهم .
     ثم كانت الفتنة التي قصمت ظهر البعير ، وتسببت بزوال ملك بني العباس من الزوراء ، يوم العاشر من عاشوراء ـ قبل الغزو الأمريكي بأسبوع واحد ـ حيث قامت قوات الطوارئ بمذبحة بحق زوار الإمام الحسين عليه السلام وبحق مواكب حسينية داخل الحرم الشريف ، وألقيت الجثث في حاويات النفايات  ، فلم يمهلهم الله سبحانه أكثر من أسبوع واحد فأزال ملكهم ، وان ربك لهو العزيز الرحيم .
 
مميزات المرحلة الثانية :
    إما أهم خصائص هذه المرحلة ـ كمقادير إلهية ثابتة ـ فبالإضافة إلى ما تقدم ، فقد شهدت هذه الفترة انفصال شمال العراق عن سلطة بغداد ، وسيطرة الأكراد عليها ، وتحول أربيل ـ تماما كما حدث مع المستعصم ـ إلى مملكة معادية تنسق مع كثير من القيادات الشيعية وغير الشيعية ، ليس لاستدعاء التتر ، ولكن لاستدعاء الأمريكيين لاحتلال بغداد .
    واستمرت هذه المرحلة اثنى عشر عاما ، كما اخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وأله ، وتماما كما حدث مع الخليفة المستعصم ، وأحوال الناس هي هي .
    وكما فعل ابن الصلايا بالتنازل للأكراد والالتحاق بهولاكو ، هكذا فعلت كثير من القيادات البعثية والتحقت بالأمريكان ليعودوا كمعارضة "ديمقراطية" مقبولة أمريكيا لاستلام السلطة ، فعادوا مع الأمريكان بوجوه جديدة ... وبحسب تعبير الشاعر مظفر النواب في قصيدة ( عبد الله الإرهابي ) فعاد هؤلاء بهيئة وزير النفط  السعودي الذي " له ذيلٌ أمريكي يصوّت به ضد الإرهاب "   .
   إلا أننا لم نعثر على نظير ومقارن لابن العلقمي " الوزير الأول " من ( الرافضة ) الذي يعمل بخدمة الخليفة ، فلم يكن سوى محمد سعيد الصحاف ـ وزير الإعلام ـ محبوب الإعلام الأمريكي بكلماته النابية وغير المفهومة للإعلام العربي والغربي عن العلوج والطراطير ـ التي كانوا يعتقدون بأنها كلمات بذيئة وفاحشة ـ فأحبوه لأجلها وغفروا له ما تقدم من ذنبه ، مجازاة له على هذه الكلمات العذبة على قلوبهم .
     فلقد بقي هذا الرجل وفيا لعجله إلى النهاية ، ونصره بكل ما استطاع ، ولكن لله أمر هو بالغه ، وهذا يجعلنا نعتقد بان دور ابن العلقمي مبالغ فيه كثيرا ، وسلطاته الكثيرة هي من اختلاق المؤرخين ( أهل السنة والجماعة ) ، بدليل الأخبار التي أوردها كل من ابن خلدون وابن كثير عن تعرض أقرباء "ابن العلقمي" شخصيا في الكرخ ، للنهب والسلب من قبل ( أهل السنة والجماعة ) ، ومن الواضح إنهم يبحثون عن كبش فداء يلقون عليه كل اللوم والمؤامرات والمكائد ، لنزع الله لملكهم .
      أما الآيات الإلهية المخيفة أو آيات التخويف التي أرسلها الله في هذه المرحلة  ، إذ يقول تعالى (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا *) ، فان الكثير من آيات المسخ ـ في الولادات خاصة ـ  كانت قد نزلت وأكثر من أن تحصى ، فكما حصل في هذه المرحلة تحديدا ، وذلك سنة ( ستمائة وأربع وخمسين هج ) ـ وكما ذكر بعضها ابن كثير ، فقد علمنا بوقوع ولادات بعد عاصفة الصحراء ، وبعد " الانتفاضة الشعبانية " كما أصبحت تسمى ، وهذه الولادات الممسوخة تراوحت بين ولادات على شكل رأس طفل و بدن حية ، أو رأس طفل وبدن سمكة ، أو ولادات جراء كلاب ، وقد وقعت هذه الولادات خاصة في عائلات  لها من الأعمال القبيحة و الفسوق أو الطغيان ما هو معروف لدى الناس ، ورغم إخفاء الناس وتسترهم على هذه الأمور فقد افتضح الكثير منها ، ومنهم من نستطيع أن نسميهم بأسمائهم لولا الإحراج الذي نتسبب به لهؤلاء الناس ، وكانت من أعمالهم سلب ونهب للأموال العامة أثناء الانتفاضة الشعبانية ، أو من العناصر التي شاركت في ضرب المراقد المقدسة لائمة أهل البيت عليهم السلام أثناء قمع الانتفاضة ، كما أنها لم تقتصر على منطقة محددة أو محافظات بعينها ، وإنما في عموم العراق ، ولو سردنا القصص المشهورة و الموثقة بهذا الخصوص ، فإنها بحاجة إلى كتاب خاص بها .
     ونشر معهد ( كاربنسكي ) للأبحاث تقريرا مفزعا بهذا الخصوص ، وخاصة عن البصرة  ، ولكنهم ينسبون سبب ذلك إلى اليورانيوم المنضب ، ولا ادري كيف يغفلون عن أن الإشعاعات تتسبب بطفرات وراثية ، أو تشوهات خلقية ، وأمراض سرطانية ، أما أن تمسخ الجنين من بشر إلى حية أو سمكة أو كلب ، فهذا ما لم يقل به العلم ، ولا يستطيع إثباته ، فلقد كان مسخا تخويفيا وتحذيرا مما سيقع في وقت نزول الآيات العظمى ، بعد طلوع الشمس من مغربها .
    وكما حدثت مثل هذه الآيات المخيفة ، فقد وقعت آيات أخرى لكثير من الناس الصالحين ، هي آيات هداية وتثبيت و تسديد الهي لهم ، تذكرهم أنهم بعين الله سبحانه وانه ليس بغافل عنهم عزوجل ، ومنها آيات وقعت في كنائس ببغداد جعلت عديد من العوائل المسيحية تسلم على يد السيد الشهيد الصدر وتعلن تشيعها ، وكذلك عدد من عائلات سنية من محافظات مختلفة ـ ومن الأنبار خاصة ـ أعلنت تشيعها داخل المشهد المقدس لأمير المؤمنين عليه السلام في النجف ، وبحسب روايات هؤلاء ، فان الفعل المباشر لذلك كان برعاية الإمام المهدي عليه السلام خاصة ، والروايات يطول شرحها .
   كما وقع الكثير من الآيات في مختلف دول العالم ، واشتهر منها ما وقع في تركيا ، إذ كان هناك حفل ماجن داخل احد القواعد العسكرية التركية لاستضافة وفد عسكري إسرائيلي لإجراء مناورات مشتركة ، قام احد الإسرائيليين بتمزيق القرآن الكريم وإلقائه تحت أقدام احد الراقصات ، فنزلت نار عظيمة من السماء والتهمت الموقع ومن فيه وجعلتهم رمادا ، فإلى جهنم وبئس المصير ، ولعذاب الآخرة اشد لو كانوا يعلمون ، وكان لهذه الحادثة الأثر الكبير في تحول المجتمع التركي وفي تغيير السياسات التركية .


المرحلة الثالثة :
      أما المرحلة الثالثة ، فهي الخرجة الثانية للترك التي يخربون فيها إلى الفرات ، و يشرعون على ثني الفرات ، ويعتقبون ذوات الحجال ـ حسب الأخبار النبوية في الحديث المتقدم ( للترك خرجتان ) ، وهذه الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وآله التي تناولها الإمام علي عليه السلام في خطبة البيان بشكل مفصل ، وردت فيها أخبار كثيرة و تفاصيل كثيرة ، نورد منها :
   ( في خطبة الإمام علي (ع) : كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة ، يلبسون السرق والديباج ، ويعتقبون الخيل العتاق ، ويكون هناك استحرار قتل حتى يمشى المجروح على المقتول ، ويكون المفلت أقل من المأسور ) 
      وفي كنز العمال ، أبي هريرة عن النبي (ص)  : لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك ، صغار الأعين ، حمر الوجوه ، زلف الأنوف ، كأن وجوههم المجان المطرقة.) 
    وفي فتح الباري : ( عن أبي هريرة " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك قوما كأن وجوههم المجان المطرقة يلبسون الشعر ويمشون في الشعر". )  .
* الحسن بن محمد الطوسي في ( المجالس ) معنعن ، عن حذيفة بن اليمان قال:  " قال رسول الله  صلى الله عليه وآله : " تاركوا الترك ما تركوكم ، فان أول من يسلب أمتي ملكها وما خولها  الله ، لبنو قنطور بن كركر وهم الترك)  .
   وهذه الأحاديث كلها عن الخرجة الثانية ، أي الغزو والاحتلال ، وتمثل هذه المرحلة ، المرحلة الثالثة من الحقبة التاريخية موضوع البحث ، بينما تمثل المرحلة الثانية من "الغاشية" ، وتمثل الحقبة التاريخية كلها " الفتنة الثالثة"  من الفتن الأربع التي تمر بها الأمة .
( قال حدثنا رشدين عن ابن لهيعة عن عبد العزيز بن صالح عن حذيفة قال : الفتن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة أربع فتن ، فالأولى خمس ، والثانية عشرون ، والثالثة عشرون ، والرابعة الدجال .)  .
  [ وسيمر بنا قول بيت من الشعر ليحيى بن أعقب (رض ) وهو معلم السبطين عليهما السلام ، بان العشرين الأخيرة هي بالتحديد من سنة ( 1990 ـ 2010 م ) كما ذكرها بالدقة والوضوح ، وسنأتي عليه في " قيام الساعة " وهو يثبت صحة الرواية ودقتها على كل حال . ويعني بها من بداية غزو الكويت عام (       1990 م ) إلى ظهور الدجال ، الذي هو من الآيات .]
   وبدأت هذه المرحلة يوم ( 17 / 3 / 2003 م ) ، وتستمر ستة أعوام تقريبا ، بحيث تشكل مع المرحلة الثانية ـ التي تستمر اثنى عشر عاما تقريبا ـ تشكل معها ، ثمانية عشر عاما بالتمام والكمال .
   فكان الغزو الأمريكي بأوامر الرئيس الأمريكي بوش الابن ـ المناظر لهولاكو ـ وتنتهي هذه المرحلة يوم ( 17 / 1 / 2009 م ) ، وسنبين لاحقا : كيف انتهت في هذا التاريخ .
   ومقارنة بالتاريخ القمري ، فإنها بدأت يوم ( 17 / محرم الحرام / 1424 هج ) حسب ما يؤرخ به الشيعة ، ويوم ( 18 / محرم الحرام / 1424 هج ) حسب ما يؤرخ به أهل السنة ، حيث من المعلوم أن هناك غالبا ـ إلا ما ندر ـ هناك اختلاف يوم واحد بين التاريخين ، وهو سبب اختلاف أعيادهم ومناسباتهم الدينية ،       وهذا الأمر له علاقة بظاهرة فلكية خاصة بهذه الفترة تسمى ( انتفاخ الأهلة ) ، يعلمها الشيعة و يعملون بها ، و يتجاهلها أهل السنة ، أو لا يعلمون بها :
* حدثنا محمد بن عبد الرحمن ثنا أبي ثنا مبشر بن إسماعيل عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة انتفاخ الأهلة حتى يرى الهلال لليلته فيقال هو لليلتين " ) 
* وأخرج ابن أبى شيبة عن الوداك قال: من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة
 * وأخرج ابن أبى شيبة عن الشعبى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا فيقال ابن ليلتين ) 
 *  حدثنا عبد الرحمن بن يوسف عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه مرفوعا : " من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة  " )  .
        وقد نوهنا إلى هذا الأمر في كتاب آخر سابقا ، ولا نستبعد أن تكون  هذه الظاهرة مكررة أيضا ، وعليه فمن الممكن أن يكون التاريخ السابق (تاريخ غزو التتر) أيضا فيه اختلاف ليوم ، وهذا يجعلنا نفترض أن دخول واحتلال وغزو كل من التتر والأمريكان ، هو في نفس اليوم من نفس الشهر ( السابع عشر ـ على الأرجح ـ أو الثامن عشر) .
      وعلى أية حال ، فقد بدأت المرحلة الثالثة والأمور أمثال ، ويمكن للقارئ مراجعة كتاب (عولمتنا .. دولة الإمام المهدي "ع") الجزء الأول ، ومقارنته مع غزو التتر من حيث أحوال المجتمع ، والجيش ، والفساد السياسي ، والظلم والاستبداد الفاحش ، ولكن لابد أن ننوه إلى أمر غاية في الأهمية نجد أن الناس في غالبيتهم تجهله ، وهو :
   إن كل الملوك والرؤساء والأمراء العرب ، منذ بداية فترة الاستقلال و حركات التحرير العربية ضد الاستعمار ، والى ظهور السفياني ، فان هؤلاء الرؤساء والملوك هم أولاد عبد الله بن عباس ، وسواء علموا هم بذلك أم جهلوه ، وسواء كان نكاحا أو سفاحا ، فهم في حقيقة نسبهم يرجعون إلى ذرية عبد الله بن عباس ، وهم ( الطبعة الثانية) من الخلفاء العباسيين .
     وعندما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله : إن لبني العباس رايتان ، وان الراية الأولى أولها فتنة وأوسطها ضلالة وآخرها كفر ، لا تنصروها لا نصرها الله ، بينما الثانية : أولها وزر وآخرها كفر ، لا تنصروها لا نصرها الله  ، فان ذلك يعني :
   إن دولة بني العباس الأولى ، التي نصرها أهل فارس وخراسان ، قامت بدعوى الرضا لآل محمد ، والانتقام لمقتل الإمام الحسين عليه السلام من بني أمية ، ولكنها فتنة ، لان عواقبها التي يعلمها الله هي غير الشعارات المرفوعة فيها ، فان هدفها الملك والسلطة ، وليس إعادة الحق إلى أهله ، فهي فتنة .
 وأوسطها ضلالة ، لأنها حاربت مذهب أئمة أهل البيت وناصبتهم العداء ، ورفعت لواء العجول ( الشيخين) و تخلت عن وجه دعوتها .
 وآخرها كفر : لأنها قتلت أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ، كما فعل الأمويون .
   أما دولتهم الثانية ، فان : أولها وزر ، وآخرها كفر :
      فإنها قامت منذ أول قيامها على الباطل و العداء لأهل البيت عليهم السلام ، واضطهادهم وغصب حقوقهم .
     وآخرها كفر : لأنها تلجأ إلى سفك الدماء الزكية و القتل الإجرامي لذرية الرسول صلى الله عليه وآله و شيعتهم ، فلم تكن فتنة يعمى فيها وجه الأمر، بل إن عقيدتها الباطلة صريحة وواضحة منذ أول انطلاقها .
     وعليه فان هؤلاء الملوك والرؤساء العرب ، عملاء بني إسرائيل حسب وصف الإمام علي عليه السلام في الجفر الأعظم ، هم جميعا أولاد عبد الله بن عباس ، وقد وصف أمير المؤمنين عليه السلام أوصافهم وسماهم بأسمائهم وبين عقيدتهم ، حيث قال عليه السلام أولا في وصف رؤساء البيت الأبيض بأنهم من رجال بني إسرائيل وأنهم هم الذين يعينون الرؤساء العرب :
(  يسيرون وراء إسرائيل ويكون منهم أئمة الضلالة والدعاة إلى جهنم ، يركب مركبهم ملوك وأمراء جعلوهم حكاما على رقاب الناس فأكلوا بهم الدنيا، والله لو شئت لسميتهم بأسمائهم ، وآل فلان ، وآل النون ، وآل العود، والمتبرك ، والمتعرف ، و المتيمن، والمتمصر، والقاذف بالكلام ، والصادم بالنار، والفاتن بالفتن ، ومنهم الملك ، والقيل ، والأمير، والرأس ، والوالي ، والزعيم .)  .
    وعليه فان ( الصادم بالنار) أي : صدام ، هو نظير المستعصم حسبا ونسبا ومصيرا ، وبما أننا في هذا الكتاب نتناول فلسفة التاريخ ، فسنحاول تجنب الخوض في تفصيل الأمور السياسية التي هي تفسير لهذه الظواهر التاريخية في بعض وجوهها ، وبنفس الوقت محل اختلاف لا يمكن أبدا لأهل الباطل القبول به كحقائق أبين من الشمس .
    ولما كانت أحوال بغداد وأهل بغداد خصوصا ، وأهل العراق عموما ، منذ الغزو الأمريكي والى اليوم هي على شاشات التلفزة والفضائيات ، فماذا يمكننا أن نظيف أو نشرح ، فالقتل وسفك الدماء والأمراض والخوف والرعب والجوع والفساد ، فساد الساسة وفساد الفقهاء وفساد الإدارة وفساد المجتمع و فساد الأخلاق ، فصورته ابلغ من الوصف ، ولكن لما كان تاريخ الفتنة الأولى أصبح معلوما لدينا من خلال العرض التاريخي الذي قدمنا ، فيمكن لكل قارئ أن يرى أن كل ما حدث في غزو التتر المغول ،  وما يحدث اليوم ، هو ( صورة طبق الأصل ) ، ولذلك سنجمل مميزات هذه المرحلة بالمقارنة مع الدورة التاريخية الأولى :
 
مميزات المرحلة الثالثة :
1 ـ كما قال ابن كثير عن يوم زوال ملك بني العباس في الدورة التاريخية الأولى ، بان ملكهم زال من العراق ، وقال : ( ولم تكن أيدي بني العباس حاكمة على جميع البلاد كما كانت بنو أمية قاهرة لجميع البلاد والأقطار والأمصار ، فإنه خرج عن بني العباس بلاد المغرب ، وقارن بني العباس دولة المدعين أنهم من الفاطميين ببلاد مصر وبعض بلاد المغرب ، وما هنالك ، وبلاد الشام في بعض الأحيان والحرمين في أزمان طويلة وكذلك أخذت من أيديهم بلاد خراسان وما وراء النهر ، وتداولتها الملوك دولا بعد دول ، حتى لم يبق مع الخليفة  منهم إلا بغداد وبعض بلاد العراق ، وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر الأوقات .).
     كذلك كان الأمر في محرم سنة ( 1424 هج ) ، زالت دولتهم من بغداد و العراق ، بفارق أن بغداد كانت آخر ما تبقى لهم ، وان عبد الله مازال ينتظر مصيره في الحجاز .
2 ـ قُتل صدام خنقا ( شنقا ) كما قتل المستعصم ، فقد حُكم على صدام بالإعدام شنقا حتى الموت وبطريقة غير شرعية وغير موافقة لحدود الله التي وضعها للعباد ، وقال فيها ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ *) ، حيث أن جميع الذين ظلمهم صدام لم يقتصوا منه ، وطبقا للشريعة كان يجب حضور كل الذين قطع ألسنتهم ، والذين قطع آذانهم ، وكل الذين لهم عنده قصاص كان يجب أن يستوفوا حقهم قبل أن يُعدم ـ ولكن ذلك سيكون يوما آخر من أيام الله ، فيحشره الله ويُقتص منه ـ وحسب معتقدات التتر أو حسب  ما قيل لهم ، فان مقتله بهذه الطريقة ، أي دون أن يُسفك من دمه شيء ، هو أمر فيه حكمة إلهية ، فلا يوفق احد من لثأر له .
3 ـ كما قتل من أبناء المستعصم ولديه الأكبر والأوسط ، ونجا ولده الأصغر وبناته الثلاث ، كذلك كان الأمر مع صدام ، فقد قُتل من أولاده ( عدي و قصي ) إلى لعنة الله ، ونجا ولده الأصغر ( علي ) و بناته رغدة و رنا و حلا ، إلى حين.
4 ـ وكما انتهت سنة 656 هج وليس في بغداد للمسلمين خليفة ولا بداية السنة التالية ، كذلك كان الأمر مع الغزو الأمريكي ، فالحاكم العسكري الأمريكي هو الأول والآخر ، ثم السفير الأمريكي ، ثم تم تشكيل مجلس حكم كارتوني ليس له مهمة سوى إضفاء الشرعية على الاحتلال الذي تم دون موافقة من مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة ، ثم بعد ذلك جيء بـ ( الشحنكية ) كما سماهم ابن كثير وابن خلدون ، والشحنكية من الشحنة : أي القائمين بالشحن ، وهي العمليات اللوجستية والتجارة والنقل والمواصلات وإدارة شؤون الإفراد ، أما ولاية الأمر ، والحل والعقد ، فهو حقيقة بيد التتر المغول سابقا ، وبيد الأمريكان وبني إسرائيل حاليا .
5 ـ وكما هو تقدير العزيز العليم في تلك الدورة ، كذلك في هذه الدورة : هو أن تكون مقاليد بعض الأمور السطحية و التخويلات التي يسمحون بها ، هي بيد الاسافل والأعراب والبدو وحثالات الناس ، ويتكلم الرويبضة بأمر العامة :  
* ( حدثنا رشدين عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة قال : ( قدم بنو خثعم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما رأيتم ؟ قالوا : لا شئ . قال : "لتخبرني " ! قالوا :  رأينا حمارا قد علته قوائمه . قال : فما أولتم ؟ قالوا : قلنا تعلو سفلة الناس وسقاطهم ، وتتضع أشرافهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإنه كما أوَّلتم ) .
*   حدثنا الحكم بن نافع عن كثير بن مرة عن ابن عمر:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لن تنفكوا بخير ما استغنى أهل بدوكم عن أهل حضركم ، فإذا أتوكم لم تمتنعوا منهم لكثرة من يسيل عليكم ، يقولون : طالما جعنا وشبعتم وطالما شقينا ونعمتم فواسونا اليوم " ) . 
*  حدثنا محمد بن عبد الله التيهرتي عن عبد السلام بن مسلمة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لكل شئ دولة تصيبنه ، فللأشراف على الصعاليك دولة ، ثم للصعاليك وسفلة الناس دولة في آخر الزمان ، حتى يدال لهم من أشراف الناس ، فإذا كان ذلك فرويدك الدجال ، ثم الساعة ( والساعة أدهى وأمر ) .
* حدثنا محمد بن حمير عن عمرو بن قيس سمع عبد الله بن عمرو يقول: إن من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار ويسود كل قوم منافقوهم 
*  حدثنا توبة بن علوان عن سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال : لا تقوم الساعة حتى يقوم على الناس من لا يزن قرن شعيرة يوم القيامة .) .
*  حدثنا الحكم بن نافع عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أشراط الساعة أن يملك من ليس أهل أن يملك ، ويُرفع الوضيع ويُوضع الرفيع ) .
    وفي واقع الأمر ، فان هذه هي حال الانتخابات ، ففي البداية خدعوا الناس باسم الدين وملابس رجال الدين ، ثم لما انكشفت هذه اللعبة وزيفها ، وانكشف للناس بأنهم خُدعوا من قبل المنافقين ، عند ذلك رفع كل ذي صيصية  صيصيته ، ويقول في نفسه : وبم يفوقني هؤلاء .
    فلجأ السياسيون إلى الأعراب و البدو والعشائر يتزلفون إليهم و يشركونهم في الأمر ، لكسب أصواتهم في الانتخابات ، فعرف هؤلاء اللعبة السياسية ، وجاءوا بالشهادات المزورة واستولوا على مقاليد الأمور ، وذلك تقدير العزيز العليم .
      فاحتقارا لملك الدنيا ، فانه تعالى يعطي ملك الدنيا قبل قيام الساعة بقليل ، إلى من لم يكن يحلم ولو بالأحلام في يوم من الأيام بان يكون وكيل مدير دائرة ، فإذا هو لا يقنع بمنصب مدير عام أو مدير ناحية أو قائمقام قضاء أو محافظ ، بل لا يقنع حتى بعضوية البرلمان .
* ففي الكافي ، عن الإمام الصادق عليه السلام :
( محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن يعقوب السراج قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : متى فرج شيعتكم ؟ قال : فقال إذا اختلف ولد العباس ووهى سلطانهم وطمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم وخلعت العرب أعنتها ، ورفع كل ذي صيصية صيصيته .) . والصيصية هي الريشة النافرة في ذيل الديك ، يرمز بها إلى الذي يعطي نفسه فوق قدرها .
6 ـ وكما قال ابن خلدون في عدد القتلى من العراقيين ( ويقال أن الذي أحصى فيها من القتلى ألف ألف وثلثمائة ألف ، واستولوا من قصور الخلافة وذخائرها على ما لا يحصره العدد والضيبط ) ، فان عدد القتلى حسب الإحصائيات الرسمية ـ وكما أعلن عنه الرئيس الأمريكي بوش الابن في مؤتمره الشهير في بغداد ـ بان عدد الذين قًتلوا من العراقيين ، مليون وثلاثمائة ألف ( ألف ألف وثلاثمائة ألف ) ، واعتذر عن هذه الخسائر التي تسبب بها وكأنه يعتذر عن اقتراف خطأ بسيط و عابر ، وذلك مما جعل الصحفي العراقي الشريف ( منتظر الزيدي ) يشعر بالاستفزاز من هذه الصلافة وهذا الاستهتار بحياة الملايين من شعب مظلوم ومعتدى عليه ، فلم يجد سوى فردتي حذاءه ليخلعهما ويضرب بهما الرئيس الأمريكي ، فجعله شعارا عالميا للمتظاهرين ضد الاحتلال من شعوب العالم ، فيضعون تماثيل للرئيس الأمريكي و يضربونها بالأحذية ، تعبيرا عن سخطهم وغيضهم .
   إلا أن الإحصائيات الرسمية في الدورتين ( مع التتر المغول ، والغزو الأمريكي ) فان عدد القتلى الحقيقي يفوق ذلك بكثير ، حيث أن مئات الآلاف من الجثث بقيت غارقة ـ أو أغرقت عن عمد ـ في الأنهار ، كنهر ديالى و دجلة و" نهر القائد " ، أو أنها دفنت ولم يعثر عليها بعد ، ولذلك يقول ابن كثير عن عدد القتلى المتوقع :
(وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة . فقيل ثمانمائة ألف ، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف ، وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نفس ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ) .
   وكذلك الأمر مع الغزو الأمريكي وما نتج عنه فان المنظمات غير الحكومية تقدر عدد القتلى بما يفوق المليونين ، والله العالم .
7 ـ  وبناء على حساباتنا لأيام هذه المرحلة بالأيام ، وفي الدورتين التاريخيتين ، أي مابين جنكيز خان وهولاكو ، وما بين بوش الأب وبوش الابن ، فان الفترة هي ( 4444 يوما ) ، آخذين بنظر الاعتبار السنوات الكبيسة بالنسبة للتاريخ الشمسي ، والنسيء بالنسبة للتاريخ القمري .
 فان الفترة من 17 / 1 / 1991 ـ 17 / 3 / 2003 م ، تضاف لها ثلاث أيام لثلاث سنوات كبيسة خلال هذه الفترة ، تكون الفترة أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعين يوما ، وبناءا على ما ذكره المسعودي من فرق الأيام بين التاريخين ، فتكون نفس الفترة بالأيام بين المرحلتين الثانية والثالثة ، وفي الدورتين التاريخيتين ، والله العالم .
8 ـ كما لاحظنا من خلال تاريخ ابن أبي الحديد ، وتاريخ ابن خلدون و ابن كثير ، في دخول القوات الغازية للمرحلة الثانية ( جنكيز خان و بوش الأب ، عن طريق شمال العراق ( اربيل والموصل ) وصولا إلى بغداد ، بينما تكون طريق الغزو للمرحلة الثالثة ، وفي الدورتين ، عن طريق البصرة .
    فطوال المرحلة الثانية كان لقاعدة انجرلك الأمريكية في تركيا الدور المهم في العمليات العسكرية ثم دور المراقبة ، ولكن المرحلة الثالثة يكون طريق البصرة هو طريق الغزو والاحتلال ، وهو ما ورد فيه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله :
( قال ابن عياش وأخبرني جعفر بن الحارث عن سعيد بن جمهان عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أرض يقال لها البصرة أو البصيرة ، يأتيهم بنو قنطورا حتى ينزلوا بنهر يقال له دجلة ذي نخل ، فيفترق الناس فيه ثلاث فرق ، فرقة تلحق بأصلها فهلكوا ، وفرقة تأخذ على أنفسها فكفروا ، وفرقة تجعل عيالاتها فوق ظهورها فيقاتلونهم ، فيفتح الله على بقيتهم" .  ) .
  والروايات حول هذا الموضوع كثيرة جدا ، منها ما جاء في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام ، فراجعها .
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 2:32 am

المرحلة الرابعة :
   أما المرحلة الرابعة التي تكون بعد ستة أعوام تقريبا من بداية المرحلة الثالثة ، وبعد ثمانية عشر عاما بالتمام والكمال من بداية المرحلة الثانية ، فكانت بعد يوم ( 17 / 1 / 2009 م ) ، حيث كان هذا اليوم نهاية المرحلة الثالثة .
    فان نهاية المرحلة الثالثة كانت بالشكل التالي :
    في يوم ( 17 /1/2009 م ) كان آخر نشاط سياسي للإدارة الأمريكية ، وآخر يوم من الحرب الإسرائيلية الشرسة والمدمرة على الشعب الفلسطيني في غزة ، بعد فترة استمرت لاثنين وعشرين يوما ، استخدمت فيها إسرائيل كل الأسلحة المحرمة دوليا ، باستثناء النووي .
     فلقد أدت الانتخابات الأمريكية إلى نهاية سلطة المحافظين الجدد بزعامة آل بوش ( الأب و الابن ) لعنهم الله ، ولكن تسليم السلطة إلى الرئيس الجديد للبيت الأبيض لا تتم إلا يوم ( 20 /1 / 2009 ) ، ففي يوم 17 /1 / 2009 م ، انتهت الحرب الإسرائيلية على غزة ، حيث أن الخبر النبوي يقول عن هذه الفتنة ( تغشى العراق ، و تطيف بالشام والحجاز ) ، وكان آخر طوافها بالشام بعد العدوان على لبنان وحزب الله ، كان العدوان على غزة ، واستمر لاثنين وعشرين يوما ، بعدد الأيام التي استمر فيها العدوان الأمريكي على العراق للمرحلة الثالثة ، كذلك كان لاثنين وعشرين يوما ، من 17 / 3 / 2003 ـ 9 / 4 / 2003 م يوم سقوط بغداد .
   وفي هذا اليوم ( 17 /1 / 2009 م ) كان أهم اجتماع بين وزيرة الخارجية الأمريكية ( كوندوليزا رايس ) ووزيرة خارجية  إسرائيل (تسيفي ليفني ) ، حاولت فيه إدارة الرئيس بوش تقديم آخر ما يمكنها من الدعم والتأييد لإسرائيل والحفاظ على تفوقها و هيمنتها ، فتم التوقيع في هذا اليوم على المعاهدة الأمريكية لإسرائيل و التعهد بنزع أسلحة ( حماس و حزب الله ) ومراقبة الطرق البحرية والبرية لمنع وصول أي سلاح لهما ، وكانت أخبث خطة تضعها إدارة بوش لربط الإدارة الجديدة بالالتزام بالدفاع عن امن إسرائيل ، ولكن هذا التعهد كان سياسيا أكثر منه عسكريا ، لعدم وجود ضمان من الإدارة الجديدة للالتزام به .
     ثم بعد ذلك بثلاثة أيام ، في يوم ( 20 / 1 / 2009 م ) ، انتهت فتنة بلاء بوش و انتهت سيطرة المحافظين الجدد على البيت الأبيض ، وخرج الرئيس بوش الابن تلاحقه أحذية "منتظر الزيدي" ، و أحذية الأحرار في كل العالم ، وتلاحقه لعنات اللاعنين ، وخرج ( دك تشيني ) نائب الرئيس من البيت الأبيض على كرسي متحرك ، وكله حسرة على إفلات الأمور من أيديهم ، وخرجت ( كوندوليزا رايس ) ذليلة ملعونة بعد مؤامرات و مكائد عظيمة نصبتها للإسلام و أهل الإسلام خدمة لدولة  إسرائيل .  
 
مميزات المرحلة الرابعة :
       وكما قلنا عن هذه المرحلة في الدورة التاريخية السابقة ، فان هذه المرحلة طويلة نسبيا ، لأنها تمثل نهاية حقبة تاريخية وبداية حقبة أخرى تمثل في حقيقتها ردّ الكرة ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم ) ، ويستمر ردّ الكرة لمدة عام واحد ، بعده تدخل هذه المرحلة إلى حقبة جديدة من حقب التاريخ ، أما أهم خصائص هذا العام الأول :
1 ـ خروج المُلْك ونزعه من الجهة القائدة للغزو والفاعلة فيه ، إلى جهة أخرى أو شخص أخر اضعف ، أو اقل عدوانية ، أو له عقيدة مختلفة وتوجهات مختلفة .
    فكما لاحظنا في هذه المرحلة ، سنة ( 662 هج ) بعد ستة سنوات من غزو التتر ، موت هولاكو وانتقال الملك إلى ابغا ، ففي السنة السادسة من الغزو الأمريكي انتهت ولاية آل بوش ومن خلفهم المحافظون الجدد ، ويضعف سلطان الروم كما وصف أمير المؤمنين عليه السلام هذه المرحلة ( وعند ذلك يضعف سلطان الروم ) .
2 ـ يكون ردّ الكرة ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم ) في هذه المرحلة لمدة عام واحد ، بشمولية واسعة تتجاوز العلاقة بين الفاتح والمفتوح ، أي بين القوات المحتلة والشعب الذي يقع عليه الاحتلال ، إلى ردّ كرّة بين مختلف القوى الداخلية والخارجية ، المحلية والدولية ، ويكون هذا التقدير الإلهي لمدة عام ، تمهيدا لتطور كبير لردّ الكرّة يقع في السنة السابعة بعد الغزو ـ كما سنلاحظ ذلك مفصلا ـ إلا أن جذور التغيير و التطور لحركة التاريخ تعود إلى بناءات وتقديرات العام السادس وما فيه من المقادير .
3 ـ نضوج الرؤى الفكرية وتطور أسلوب التنظيم و العمل السياسي لدى الحركة الوطنية ـ أو القومية ـ  التي تطرح البديل .
4 ـ ظهور صحابي مصر .
        وفي الواقع فان هذا الموضوع ( ظهور صحابي مصر) بحاجة إلى بحث معمق وموسع يجب البدء فيه منذ تأسيس مصر بعد الطوفان الذي حدث على قوم نوح (ع) ، ومجيء مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح إلى هذا البلد مع جده الكاهن فيلمون بتوجيه من النبي نوح عليه السلام ، وما أسس له مصرايم من تأسيس عقائدي ، ووضع أول اُسس عقيدة الانتظار لدولة الإمام المهدي عليه السلام ، من خلال ما اعدّه من عدّة وما ادّخره من ذخيرة لهذا الوعد الإلهي ، ثم توالي هذا الدور إلى يوسف عليه السلام ، ثم إلى بشارة البتول مريم عليها السلام بإسلام أهل مصر وبقائه فيهم إلى يوم الدين ، ثم إلى الثورة على دولة عثمان بن عفان وبني أمية ، مرورا بالدولة الفاطمية في مصر ، ثم إلى ظهور الظاهر بيبرس في هذه المرحلة التاريخية من الدورة التاريخية السابقة في القرن القمري الثاني عشر ، وصولا إلى ما هو موعود قيامه الآن في هذه المرحلة ، ثم إلى سبب اتخاذ الإمام المهدي عليه السلام لمصر منبرا إعلاميا وفكريا بحسب الروايات . 
    وقد يطول بنا المقام إذا خضنا في هذا الموضوع ، وقد نتشعب إلى مواضيع أخرى خارج موضوع فلسفة التاريخ ، لذا ندعو القارئ أن يستحضر كل هذه الوقائع في ذاكرته وهو يتفكر في موضوع صحابي مصر ، ويخلص معنا إلى خلاصة مؤدى ما تؤل إليه المقادير ، ذلك أننا نريد بحث الموضوع في هذا الكتاب ، كمقادير إلهية قدرها العزيز العليم كعلامة لقيام الساعة ـ الساعة الثانية عشر ـ الإمام المهدي عليه السلام
(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ* )  ،
وبحسب ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام اختصارا .
    قال أمير المؤمنين عليه السلام :
( مصر سند المهدي ، ويعظّهم البلاء حتى يقولوا ما أطول هذا العناء ، يسميها اليهود عدوهم الذي بالجنوب .. لهم البشرى بدخول القدس بعدما يسرج الله فيها السراج المنير .. صحابيا يغدو فيها على مثال الصالحين ، ليحل فيها ربقا  ويعتق رقّا ، ويصدع شِعْبا ويَشْعَب صَدْعا ، لا يبصره احد وهو معهم ، يلبس للحكمة جنتها ، وهي عند نفسه ضالّته التي يطلبها ، يصبر صبر الأولياء ويرفع الراية السوداء ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة انه للممهد للمهدي .
   وهو عالي القد ، احمر الخد ، مليح الصورة ويغير اسم الجد ، حسن السريرة ، أهدب الشعر ، حديد النظر ، صحيح الفكر .. لحيته بيضاء فيها جمال ونور ، ونصفه العلوي أحسن من السفلي ، معروف للقوم لكنه في خفاء .) .
   وهذا ما نضعه أساسا لقراءة أحداث السنة السابعة من الغزو ، والعام اللاحق لنهاية الفتنة التي تطيف بالشام وتغشى العراق ، سبع سنين عجاف ، ثم يأتي من بعد ذلك عام يغاث فيه الناس وفيه يعصرون ، وتلاحظ هنا استخدام القرآن لتعبير السنين والعام اللاحق .
   إذن لنستعرض الأحداث ذات الأجل المسمى ، ثم الأحداث المتوقعة المناظرة لما حدث سابقا .
   لقد كان خروج الملك من آل بوش في كانون الثاني من عام ( 2009 م ) ، وبعد عام واحد ، في كانون الثاني ( 2010 م ) ستكون الانتخابات البرلمانية العراقية ، ومعلوم أن الاحتقانات السياسية بلغت درجتها القصوى ، بعد ( ربيع سياسي ) بين الكتل السياسية العراقية ـ بحسب تسمية رئيس الجمهورية العراقية جلال الطالباني ـ بعد " صولة الفرسان" بحسب تسمية الحكومة العراقية ، أو الإفساد الثاني لـ ( بني إسرائيل) آخر الزمان ، بحسب كتاب ( "بني إسرائيل" بين التنزيل والتأويل) ، فهل انتهى الربيع السياسي العراقي ؟ وماذا تخبأ الانتخابات البرلمانية العراقية من تطورات خطيرة وفاصلة في مجرى أحداث التاريخ ؟
    وهل سيتم تطويق مجازر اليمن وفساد بني العباس فيها ويعود الحوثيون إلى الذل والعزل والأثرة والإقصاء ؟ أم أن " اليماني " يعد العدة لطي صفحة سجل بني العباس وان الأجل المعدود يوشك على الحلول  ، إذ قال تعالى ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * )   ، رغم أن الناس و المفسرين يقرءون قول رسول الله صلى الله عليه وآله ( شيبتني سورة هود ) ولا يعرفون ما الذي شيّبه منها !
 وقد نزلت بيوم اجلهم ويوم نزول عذاب الاستئصال بهم ، الذي قد يؤخره الله لأجل معدود ، والمعدود عند اهل البيت عليهم السلام : عدّ الأصابع : عشر سنين  !
    وهل سيبقى فسقة أولاد فارس يهددون بالنزول إلى الشوارع الإيرانية كلما جاءت الانتخابات على غير هواهم ، ويرفعون شعار الديمقراطية لمغازلة الروم وبني إسرائيل ؟ أم أن ( الخراساني ) يعد العدة لنزع الملك من أولاد فارس تمهيدا لنصرة الإمام المهدي عليه السلام ؟
   وهل سيبقى صحابي مصر صامتا خفيا رغم ما يقال ، وقد قيل ( أروى بمصر الفساد ) ؟ وهل سيقبل أهل مصر بـ ( التوريث ) أم سيقتلون أميرهم ؟ ـ كما في الروايات في علامات الظهور : ( إذا قتل أهل مصر أميرهم ) ، ثم ظهور المرواني ( عبد الله عبد الرحمن ) على منبر مصر ؟
ومتى ستخلع العرب أعنتها وتتمرد على الأنظمة الحاكمة , حتى يؤدي ذلك إلى الموعود ؟
    ولقراءة ذلك يجب أن نستخلص العبرة والحكمة من فلسفة التاريخ التي يوصلنا لها ويستخلصها لنا هذا البحث .
 
 
استنتاجات ما تقدم من البحث :
        إن ما نستنتجه مما تقدم من البحث ، وهو ما أشار إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبة البيان بقوله ( الحمد لله مكوّر الدهور و مكرّرها ) هو :
1 ـ كما أن الله خلق كل شيء بقدر ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) ، وكل شيء بلا استثناء ، قائم وفق مخططات و تصاميم و خرائط و حدود زمنية وبدايات و نهايات ، وكما أن الشمس و القمر والكواكب والنجوم و المجرات تجري وفق نظام أو أنظمة دقيقة ، من دوران وأفلاك و بروج ، وكل ذلك هو في البرنامج الأساسي لخلق الخلق ، عندما كان مجرد مخططات و تصاميم و خرائط قبل أن يكون عيانا وقياما ، فان حركة التاريخ ومسير أحداث التاريخ تجري وفق نظام أو أنظمة مناظرة لحركة الشمس والقمر والنجوم والكواكب والمجرات ، ولما كانت هذه النظم متعددة ، فمنها ما يدور في كل أربع وعشرين ساعة دورة كاملة ، ومنها ما يدور في كل ثلاثين يوما دورة كاملة ، ومنها ما يدور في كل ثلاثمائة وخمس وستين يوما دورة كاملة ، ومنها ما يدور في كل ثلاثة آلاف وستمائة عام دورة كاملة ، فان حركة التاريخ ومسرة أحداثه ، تجرى بشكل متوافق ومتناظر مع هذه النظم الكونية ، فتتكرر أحداث التاريخ كتكرار حركة الكواكب ومسيرها في أفلاكها ، وهو الذي يسميه امير المؤمنين عليه السلام بـ ( الاكوار والادوار ) ، وللتاريخ نظام كنظام البروج الذي تنتظم فيه الكواكب والنجوم .
2 ـ  إننا لا نعلم جميع هذه النظم ، ولكن بحثنا استطاع العثور على نظامين من هذه النظم ، وهما :
     أ ـ النظام الاثنى عشري ، وهو نظام يتوافق مع النظام القمري للتاريخ ، وتتكرر فيه أحداث التاريخ في كل اثنى عشر قرنا قمريا ، وهو في حقيقته تكرار للمقادير الإلهية المقدرة لأثنى عشر قرنا قمريا ، أي أن أحداث القرن الثاني عشر تتكرر في القرون مضاعفات اثنى عشر ـ القرن الرابع والعشرين ، القرن السادس والثلاثين ، وهكذا ـ ، وهذا النظام هو موضوع البحث .
    ب ـ النظام التساعي ، وهو نظام يتوافق مع النظام الشمسي للتاريخ ، وتتكرر فيه أحداث التاريخ مع مضاعفات الرقم تسعة للقرون الشمسية ، وسنلاحظ من خلال البحث أن أحداث القرن الشمسي ستتكرر في القرن السادس والثلاثين ، أي بعد ( 3600 ) عام .
    والأغرب من ذلك أن كل من النظامين القمري و الشمسي ، ومن ثم كل من النظامين الاثنى عشري والتساعي ، تلتقي عند اتحاد العامل المشترك مع كل من النظامين القمري والشمسي ، أي النظام التساعي والاثنى عشري .
    حيث أن أحداث القرن السادس والثلاثين الشمسي توافق في القرن الثالث و الستين القمري ، أي أن كل ( 36 ) قرنا شمسيا ، تلتقي وتتحد مع كل ( 63 ) قرنا قمريا ، فيجمع زمن اتحادهما أحداث كل من التاريخين ، أي ما حدث قبل اثنى عشر قرنا قمريا  وما حدث قبل ست وثلاثين قرنا شمسيا ، وتكون الأعوام ـ أو العام ـ الذي يحدث فيه الاتحاد والالتقاء بالنسبة للقرون القمرية ، قد بلغت ثلاث وستين قرنا ، وهو من مضاعفات الرقم تسعة ، وسنشرح كيفية ذلك بالأدلة الواقعية والروائية لاحقا .
3 ـ إن هذا التكرار لإحداث التاريخ ـ وهو ما يسميه البعض " التاريخ يعيد نفسه " ـ وهو تعبير خاطئ وتسمية خاطئة ـ يمكن وصفه بحسب تعبيرنا المعاصر ، بأنه إعادة إنتاج فيلم سينمائي بالحوار والأحداث التفصيلية نفسها ، ولكن بإخراج جديد ، فالحدث هو ذات الحدث إن كان على سبيل المثال " معركة حربية " فتقع بنفس اليوم ونفس الشهر ونفس السنة ، وعدد القتلى ثابت ، ونتيجة المعركة ثابتة ، وطريقة القتل ثابتة ، ولكن الأسلحة المستخدمة في المعركة مختلفة ، والوسائل والمعدات القتالية مختلفة .
   وهو ما يشير إليه القرآن الكريم بالصفة وليس بالاسم ، فقوله تعالى (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * ) ، فالمعركة ذاتها وبالأسلوب نفسه وبالقدر نفسه ، ولكن في زمن التتر المغول فان العاديات ضبحا : هي الخيول والرواحل الأخرى ، بينما اليوم هي: الآليات العسكرية من دبابات ودروع وأمثالها ، وكذلك الموريات قدحا : فإنها كانت " المنجنيق " يضعون فيه كرات من الحجر المشتعل ويرمون به القصور و التحصينات ، أما اليوم : فإنها قاذفات القذائف بكل أشكالها ، المدفعية وقاذفات الصواريخ وقاذفات المقذوفات على اختلاف أنواعها كـ (سبطانات مدافع الدبابات والمدافع الرشاشة وأمثالها ) ، وكذلك وقتها إن كان صبحا ففي الصبح ، وكذلك إثارتها للغبار والتراب ، وتسببها بمستنقعات من الدم (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) ، وكذلك اقتحامها لميدان المعركة (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) وفرض سيطرتها العسكرية على الموقف بشكل كامل ، فـ ( الإخراج ) مختلف ، ولكن الحدث التاريخي صورة طبق الأصل.
 4 ـ  إن هذه الاستنتاجات يمكن أن تعطينا صورة واضحة عن أحداث السنة القادمة و العام القادم ( 1431 هج ، 2010 م ) بناء على ما حدث سنة ( 663 هج ) ، ويمكن التأكد من صحة هذه الاستنتاجات قريبا ، وهذا هو أهم ما يخلص إليه البحث ، وما نريد أن نحذر منه وننذر به قوما لدّا : ( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا)
 
السنة السابعة :
     يبدو أن السنة السابعة من السنين العجاف التي مرت بها المنطقة في زمن النبي يوسف عليه السلام هي قدر يتكرر ، ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ *)  ، وتلاحظ من هذا التنزيل ، الالتقاء والاتحاد بين النظامين القمري والشمسي ، ففي حين أن القحط نزلت مدته بالسنين السبع ، فالأحرى أن يجري الحدث إلى نهايته بنفس القدر ، فإما بالسنين أو بالأعوام ، بينما يدل الجمع بينهما على دلالاته التي منها التقاء واجتماع نظامين للقدر .
   وعدا ذلك فان الفترة بين البعث المبعوث على بني إسرائيل على إفسادهم الثاني ـ وكان هذا البعث على يد سنحاريب ـ وبين كشف السوء عنهم بهلاك سنحاريب ، كان سبع سنين . حيث قال الطبري :
( فكان أمر سنحاريب مما خوفوا ، ثم كفاهم الله تذكرة وعبرة ، ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ، ثم مات .)  .
   وعلى أية حال فسوف نفتح صفحة تاريخ السنة السابعة بعد غزو التتر المغول لنرى ما حدث ، ونعتبر ونترقب جريان الأمور بقدرها في السنة السابعة .
قال ابن كثير :
     ( ثم دخلت سنة ثلاث وستين وستمائة فيها جهز السلطان الظاهر عسكرا جما كثيفا إلى ناحية الفرات لطرد التتار النازلين بالبيرة ، فلما سمعوا بالعساكر قد أقبلت ولوا مدبرين ، فطابت تلك الناحية وأمنت تلك المعاملة ، وقد كانت قبل ذلك لا تسكن من كثرة الفساد والخوف ، فعمرت وأمنت وفيها خرج الملك الظاهر في عساكره فقصد بلاد الساحل لقتال الإفرنج ففتح قيسارية في ثلاث ساعات من يوم الخميس ثامن جمادى الأولى يوم نزوله عليها ، وتسلم قلعتها في يوم الخميس الآخر خامس عشره فهدمها وانتقل إلى غيرها ، ثم جاء الخبر بأنه فتح مدينة أرسوف وقتل من بها من الإفرنج وجاءت البريدية بذلك. فدقت البشائر في بلاد المسلمين وفرحوا بذلك فرحا شديدا . وفيها ورد خبر من بلاد المغرب بأنهم انتصروا على الإفرنج وقتلوا منهم خمسة وأربعين ألفا ، وأسروا عشرة آلاف ، واسترجعوا منهم ثنتين وأربعين بلدة منها برنس وإشبيلية وقرطبة ومرسية .
      ففرح الملك الظاهر بذلك ، وعزم على جمع العساكر ليأخذ بلاد العراق فلم يتمكن من ذلك لتفرق العساكر في الاقطاعات . وفيها في ثاني عشر شوال سلطن الملك الظاهر ولده الملك السعيد محمد بركه خان ، وأخذ له البيعة من الأمراء وأركبه ومشى الأمراء بين يديه ، وحمل والده الظاهر الغاشية بنفسه والأمير بدر الدين بيسرى حامل الخبز ، والقاضي تاج الدين والوزير بهاء الدين بن حنا راكبان وبين يديه ، وأعيان الأمراء ركبان وبقيتهم مشاة حتى شقوا القاهرة وهم كذلك . وكان يوما مشهودا .)  .
      أما ابن خلدون فلم يحذو حذو المؤرخين الآخرين في ملاحقة تطور الأحداث لكل سنة بسنتها ، وإنما يتابع خبر كل قائد وكل صاحب ملك من مبتدأ ملكه إلى معاركه ثم خاتمة أمره ، وبذلك فهو لم يخصص لهذه السنة أحداثها وتطوراتها ، ولكن يمكن لنا ملاحظة ذلك من خلال مروره بها عفويا بعد هلاك هولاكو سنة (662 هج ) وانتقال الملك إلى ولده أبغا ، فيقول ابن خلدون في ذلك :
    ( ثم بعث هولاكو عساكر التتر لحصار البيرة ومعه درباى من أكابر أمراء المغل وأردفه بابنه ابغا وبعث الظاهر عساكره لإنجاد أهلها فلما أطلوا على عسكر درباى وعاينهم أجفل وترك المخيم والآلة ولحق بابغا منهزما فاعتقله وسخطه ثم هلك هلاكو سنة ثنتين وستين لعشر سنين من ولايته العراق والله أعلم .
     ولما هلك هلاكو ولى مكانه ابنه ابغا وسار لأول ولايته لحرب بركة صاحب الشمال فسرح إليه بركة العساكر مع قريبه نوغاى بن ططر بن مغل بن دوشى خان ومع سنتف بن منكوفان بن جفطاى بن جنكز خان وخام سنتف عن اللقاء ورجع منهزما وأقام نوغاى فهزم ابغا وأثخن في عساكره وعظمت منزلته بذلك عند بركة ثم بعث سنة إحدى وسبعين عساكره مع درباى لحصار البيرة وعبر الظاهر إليهم الفرات وهزمهم وقتل أميرين مع درباى ولحق درباى بابغا منهزما فسخطه وأدال منه بابطاى )   .
    وملخص ما وقع هو إن سنة ( 663 هج ) وهي السنة السابعة للغزو كانت سنة شديدة على الغزاة سواء الإفرنج من المغرب ، أو التتر من المشرق ، وكانت هزائمهم متلاحقة ، وعدد القتلى والأسرى كبير جدا ، وانتصارات المسلمين تتعاظم على كل الجبهات .
    وانطلاقا من اعتقادنا بنظرية ( التكوير والتكرير ) فإننا نعتقد بان السنة السابعة للغزو ستكون سنة مشهودة تنكسر فيها الغزاة .. أو عملاء الغزاة من الأنظمة الحاكمة .
  ورغم قول ابن خلدون في النص المتقدم عن فترة ولاية هولاكو للعراق ( ثم هلك هلاكو سنة ثنتين وستين لعشر سنين من ولايته العراق) إلا انه لم يختلف مع المؤرخين الآخرين بان الغزو كان سنة ( 656 هج ) فمن الواضح خطأه في تقدير هذه الفترة ، مع أخطاءه الكثيرة الأخرى ، حيث إن الفترة هي ست سنوات ، من ( 656 ـ 662 هج ) .
     وهذا يجعلنا نتوقع بان تكون السنة الموعودة لقيام ( الفتن ) أو الثورات والانتفاضات و التمرد ( 1431 هج ) والله العالم .
 
النظام التساعي :
   كما بينا فيما سبق ، أن هذا النظام يختص بالنظام الشمسي ، أي التاريخ بالأعوام والقرون الشمسية التي يكون فيها القرن الواحد مئة عام فقط .
    إن من أهم الأحداث المكررة أو المقادير المكررة ـ أو الواضحة التكرار ـ التي يكشف عنها هذا النظام ، هي :
 الفترة المحصورة بين أول أيام الطوفان الذي حدث في زمن النبي نوح (ع) والى قضاء الأمر وانكشاف السوء وهلاك الظالمين في العاشر من محرم ، بعد عدة أشهر من بدايته .
والفترة المحصورة بين نزول أول الآيات في قيام الساعة وظهور الإمام المهدي عليه السلام ، والى يوم الخروج في العاشر من محرم ، بعد عدة أشهر من بداية نزول الآيات .
    فأما عن الفترة الأولى ، فيقول عبد الله بن عباس في تاريخ الطبري: ( أرسل الله المطر أربعين يوما وأربعين ليلة ، فأقلت الوحوش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح وسخرت له فحمل منها ـ كما أمره الله عزوجل ـ من كل زوجين اثنين ، وحمل معه جسد آدم فجعله حاجزا بين النساء والرجال ، فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم ، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء )  .
    وسنلاحظ أحداث هذه الفترة الموعود أن يقع فيها ذات الأحداث في علامات ظهور الإمام المهدي عليه السلام ، حيث تكون أمطار لم تر الخلائق مثلها من قبل ، ما بين العشرين من جمادي الآخر والعاشر من رجب ، وتنقطع السبل من الفيضانات والسيول والأمطار ، ثم تتوالى الآيات إلى يوم الخروج في العاشر من محرم الحرام .
عن الإمام الصادق (ع) قال :
( إذا آن قيام القائم مطر الناس جمادي الآخر و عشر أيام  من رجب ، مطرا لم تر الخلائق مثله ، فينبت الله به لحوم المؤمنين و أبدانهم في قبورهم ، فكأني انظر إليهم مقبلين من جهة جهينة ينفضون شعورهم من التراب )   
وفي الدر المنثور في أحاديث مرفوعة :
( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الملحمة العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر )
( لو أن رجلا ارتبط فرسا في سبيل الله فأنتجت مهرا منذ أول الآيات ما ركب المهر حتى يرى آخرها )
( قال: الآيات كلها في ثمانية أشهر )
( وأما الناس فإنهم حين رأوا ما رأوا من تلك الآية وعظمها [ طلوع الشمس من مغربها] يلحون على الدنيا فيعمرونها ويجرون فيها الأنهار ويغرسون فيها الأشجار ويبنون فيها البنيان ، فأما الدنيا فانه لو نتج رجل مهرا لم يركب حتى تقوم الساعة من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور ) 
    وكل هذه الأحاديث الشريفة والروايات هي خاصة بفترة إرسال  الآيات التي قال فيها تعالى ( والمرسلات عرفا ) وقال تعالى ( وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )  ، وهذه الآيات تستمر مما بين جمادي ورجب الذي فيه العجب ، إلى العاشر من محرم الحرام ، تماما كما حدث أيام الطوفان الذي اهلك الله به قوم نوح .
   وبحسب وكالة " ناسا " الأمريكية للفضاء فان ظهور الكوكب الذي تسبب بذلك كان قبل ( 3600 عام ) ، وقد نشرت وكالة ناسا هذه المعلومات أواسط عام 2009 م ، ورغم أن وكالة ناسا جمعت في تقريرها ما بين العلوم الفلكية التي توصلت إليها في أبحاثها العلمية الفلكية ، وما بين الأبحاث التاريخية ، إلا أنها اختلقت مصدرا لمعلوماتها البحثية التاريخية ونسبته إلى ( حضارة المايا ) ،ومن اجل ذلك فإن وكالة المخابرات الأمريكية قامت بالإغارة عدة مرات على مكاتب السيد الشهيد الصدر ما بين الأعوام 2005 ـ 2007 م ، واستولت على عدد كبير من الحاسبات من مراكز البحوث ، والبحوث الخاصة بظهور الإمام المهدي عليه السلام خاصة ، وتدل التحقيقات المستفيضة والدقيقة مع معتقلي التيار الصدري حول تلك البحوث والباحثين على كذبها في الكشف عن مصادر معلوماتها ، فنسبتها إلى حضارة المايا ، وقد عٍذب الكثير من المعتقلين من اجل الحصول على أسماء الباحثين ، حتى أن بعضهم أصيب بالشلل الكامل نتيجة التعذيب أثناء التحقيق لانتزاع المعلومات .
    وعلى أية حال فان هذه البحوث لم تعد سرا حيث أنها نشرت بعد ذلك على الانترنيت لإكمال الحجة ووقوعها عليهم وعلى غيرهم ، وكان ذلك قبل أن تنشر وكالة ناسا تقريرها ، وبالنتيجة النهائية فان وكالة ناسا فعلت لهم ما كانوا يريدون من تحذير الناس ، والله لا يهدي القوم الظالمين .
    إن المهم فيما نشرته الوكالة هو تصديق وتأكيد لما تقدم في بحوثنا في كتاب ( عولمتنا .. دولة الإمام المهدي "ع" ) ولا يخفى أن الفترة التي تم تأكيدها لظهور الكوكب "ذو الشفا" الذي ظهر في زمن النبي نوح وتسبب بالطوفان ، كان قبل ( 36 ) ستة وثلاثين قرنا شمسيا .
 النظام التساعي والتقاء الأنظمة :
 
   وبالاستناد إلى تأكيد هذه المعلومات من وكالة دولية مهمة وذات إمكانيات فائقة ، فنقول أن الثلاثة آلاف وستمائة عام التي مضت والتي حدثت فيها استدارة للفلك ، والتي تعادل بالقرون الشمسية ست وثلاثون قرنا شمسيا ، فان هذه الفترة وكما أشارت إليها كتب الأقباط القدماء ، وأشار إليها المسعودي في ( أخبار الزمان ) وتقدم بحثها في كتاب عولمتنا .. ، فان هذه الفترة تعادل بالتاريخ القمري ثلاث وستين قرنا قمريا حسب رؤيا الكاهن فيلمون :
( ثم طلعت علينا منه الشمس ، فكأنا استغثنا بها فخاطبتنا بان الفلك سيعود إلى موضعه إذا مضت له ثلاث و ستون دورة . )   .
    ويمكن ملاحظة أن العامل المشترك بين ( 36 ) القرون الشمسية  و ( 63 ) القرون القمرية  هو الرقم ( 9 ) تسعة ، ومن هنا أسميناه النظام التساعي ، حيث أن كل من القرون القمرية والقرون الشمسية تلتقي عند اتحاد العامل المشترك بينهما ( 9 ) ، فيكون للشمس أربع مضاعفات ، بينما يكون للقمر سبع مضاعفات .
    ومن اللافت للانتباه أن القرون القمرية التي هي ثلاث وستين التي يجتمع فيها النظام القمري مع النظام الشمسي ، ترمز إلى عمر رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعمر الإمام علي عليه السلام ، حيث أن كل منهما استشهد بعمر ثلاث وستين ، وهذا من المقادير الإلهية التي يقول فيها تعالى ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ )  ، ويوحي هذا التقدير بوقت اجتماع الشمس والقمر ( رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما ) على الطور لتسليم العهد المعهود ( الكتاب المسطور في الرق المنشور ) إلى الإمام المهدي عليه السلام ليقوم بما أمره الله .
    أما الأمر الذي يجمع بين النظامين القمري والشمسي عند هذا الرقم ، فان الثلاث وستين قرنا قمريا تساوي ( 3780 ) سنة ، وهذه السنين تعادل بالأعوام ( 3663 ) عاما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن هناك أعواما كبيسة خلال هذه الفترة ، وتبلغ تسعمائة عام ، وهذا الأمر يثير علامة الاستفهام الكبيرة حول الوقت الدقيق الذي وقع فيه الطوفان ، والذي نعتقد بأنه وقع خلال هذا الإطار الزمني ، ولكن متى بالضبط ! فهذا مالا يعلمه إلا الله بسبب الأخطاء وعدم الدقة في حساب الزمن الذي عجزت العلماء والفلكيين عن ضبطه بالدقة المتناهية في كلا النظامين ، واختلفت فيه الأقوال .
فيقول المسعودي :
     ( فأما على التحصيل والتدقيق فان عدد هذه الأيام للسنة تزيد في كل ثلاثين سنة احد عشر يوما ، تكون حصة السنة الواحدة من ذلك خمسا وسدس يوم ، فتكون أيام السنة بالحقيقة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وخُمسا وسُدس يوم ، والسنة التي ينجبر فيها هذا الكسر تكون شهورها سبعة تامة وخمسة ناقصة ، وهذا العدد لأيام الشهور هو بالحساب المصحح من اجتماع الشمس والقمر بمسيرهما الأوسط ، فأما برؤية الأهلة فانه يختلف بزيادة ونقصان فيمكن أن تكون شهور متوالية تامة وشهور متوالية ناقصة ، ولا يكاد يتفق في كل وقت أن يكون أول الحساب بالشهور والرؤية يوما واحدا إلا أنهما يتساويان على مرور الزمان ) 
وأما عن عدم الضبط في التاريخ الشمسي فيقول :
( ومقدار سنتهم الشمسية من الزمان ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم ، وعلى التحقيق وجزء من ثلاثمائة جزء من يوم ، ومراعاتهم في ذلك ابتداء سير الشمس من نقطة الاعتدال الربيعي إلى عودها إليها ، وهم مجمعون على أن شهور سنتهم اثنا عشر شهرا ، وإن كانت عدتها مختلفة ولذلك احتاجوا إلى كبس أيام لتتمة مدة السنة ).
   وهذا يعني أن هذه الأرقام والتواريخ هي تقريبية وليست دقيقة ، فيمكن أن تكون أكثر بقليل أو اقل بقليل ـ فأما البحث فكما هو واضح يستنتج احتمال أن تكون أكثر بقليل من ( 3600 عام ) التي أعلنت عنها وكالة ناسا ، وبالتالي فان الزمن الأقرب إلى الحساب الدقيق والصحيح لوقت وقوع الطوفان هو ( 3663 ) ينقص منها الفترة المتبقية لاجتماع النظامين ـ سنة أو ثلاث بحسب ما نتوقع ـ إذ يشير القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى (  فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ* وَخَسَفَ الْقَمَرُ* وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ* ) .
    وما ترمي إليه الآية من الاشراط والعلامات هو :
فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ : وذلك عند استدارة الفلك وازدياد سرعة دوران الأرض إلى سرعة عالية يصبح فيها اليوم كالومضة أو كالشرارة ـ بحسب الروايات ـ فتعجز العين عن التكيف مع ضوء النهار وظلمة الليل بسبب الانتقال السريع غير المعتاد لها من الظلمة إلى الضوء ومن الضوء إلى الظلمة ، فتكون حالته كأنما يرى البرق في ظلمة الليل فيعشو ولا يبصر .
     ثم تشير الآيتين بعدها إلى ظاهرتي الخسوف والكسوف في شهر رمضان ، إذ إن معنى " وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَر " تعني الكسوف ، وتعني أيضا اجتماع الشمس والقمر ، وهم رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما ، وتعني أيضا التقاء واجتماع النظامين القمري والشمسيُ وبالتالي المقادير المقدرة وفق النظام القمري ، والمقادير المقدرة وفق النظام الشمسي ، فتقع جميعها في نفس الوقت .
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 2:38 am

الفصل السابع
 
خلاصة استنتاج البحث :
    إن ما يخلص إليه هذا البحث من استنتاجات ، واكتشافات لحقائق موجودة وغير معلومة لا عند الأجيال المعاصرة ولا التي سبقتها ـ وهي من العلوم التي كشف عنها الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، ومن بطون ما نزل به القرآن الكريم ونبه إليه ـ ما يمكن إجماله بالنقاط المختصرة التالية :
     أولا : إن تاريخ البشرية منذ إهباط آدم و زوجه إلى الأرض والى يوم القيامة ، هو تاريخ مقدّر بقدر الله لا يقع شيء إلا وهو في قدر مقدور ، وهذا أمر يعلمه البعض ولكن يجهل حقيقته وكيفيته وحدوده ، وبعض من الناس لا تعلمه وبعض لا تفهمه وبعض لا تؤمن به ـ وقد شرحنا معنى القدر فيما تقدم من البحث ـ .
    ثانيا : إن هذا التقدير لمسيرة التاريخ والأحداث الواقعة هو جزء من القدر الكلي للخلق ، وان أقسام وأجزاء القدر متناطرة ، يشبه بعضها بعضا ، فكما أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقهما الله ، فان الأنبياء وأتباع الأنبياء رتقا يفتقه الله ، من قلة قليلة يجعل الله كثرة غالبة من الماء الذي في أصلابهم كما جعل من الماء سبيلا للحياة ( أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ *)  .
 وكما جعل السماء سقفا محفوظا لا يُخرق ولا يُنفذ من اقطاره ( وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ *)  ، فانه تعالى انزل ذكرا وقرآنا محفوظا مهما كذبوا بآياته واعرضوا عنها ، أو تآمروا عليها ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ*)  .
    وكما جعل الأرض مهادا وفيها جبال شامخة تحفظها من أن تسيخ بأهلها (أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ مِهَادًا* وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا* )  ، فانه تعالى جعل المؤمنين والمسلّمين لأمره مهادا للخلق وجعل لهم أوتادا من الأنبياء والأشهاد والأولياء والربانيين كأعلام هدى يهتدون بهم وينظمون لهم حياتهم ويحفظون لهم حقوقهم ، ويعتصمون بهم من فيضانات الظلم والجور والضلالة ، ومن سيول البغي و العدوان.
    ثالثا : انه تعالى قدر مواقع النجوم والأفلاك و البروج ، فجعل منها شرقية ، ومنها غربية ، ومنها وسط ، وفيها قطب تدور الأفلاك حوله ، ولكل منها حكم ، ولا تحكم الشرقية ولا الغربية على القطب .
     وانه تبارك وتعالى جعل الأمم كذلك ، منها شرقية ومنها غربية ومنها وسط ، وفيها القطب ، قال تعالى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا )  .
وقال تعالى :
( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ) .
      وهذه الأمة الوسط ، هذه الأمة المباركة لا الشرقية ولا الغربية ، هم محمد و آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين ، ومنهم القطب الذي لا يحكم عليه شرقي ولا غربي ، وهو أمير المؤمنين عليه السلام ، ولكن يؤثر عليه الوسط ( فجار قريش وكفارها ) .
   ويبين هذا المعنى من الأمثال التي يضربها الله للناس (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ) ، ومن حديث الإمام علي عليه السلام مع الدهقان :
     ( أخبرني أبو عبد الله الحسين بن عبد الله الحرمي وأبو الحسين محمد بن هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري ، قالا : حدثنا أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري ( رضي الله عنه ) ، قال : حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن مخزوم المقرئ مولى بني هاشم ، قال : حدثنا أحمد بن القاسم البري ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الرحمن ، عن علي بن صالح بن حي الكوفي ، عن زياد بن المنذر ، عن قيس بن سعد ، قال :
 كنت أساير أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) كثيرا إذا سار إلى وجه من الوجوه ، فلما قصد أهل النهروان وصرنا بالمدائن وكنت يومئذ مسايرا له ، إذ خرج إلينا قوم من أهل المدائن من دهاقينهم  معهم براذين قد جاءوا بها هدية إليه فقبلها ، وكان فيمن تلقاه دهقان من دهاقين المدائن يدعى سرسفيل ، وكانت الفرس تحكم برأيه فيما مضى ، وترجع إلى قوله فيما سلف ، فلما بصر بأمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) ، قال :
    يا أمير المؤمنين ، تناحست النجوم الطوالع ، فنحس أصحاب السعود وسعد أصحاب النحوس ، ولزم الحكيم في مثل هذا اليوم الاختفاء والجلوس ، وإن يومك هذا يوم مميت ، قد اقترن فيه كوكبان قتالان ، وشرف فيه بهرام في برج الميزان ، واتقدت من برجك النيران ، وليس لك الحرب بمكان . فتبسم أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) ، ثم قال : أيها الدهقان ، المنبئ بالأخبار ، والمحذر من الأقدار ، أتدري ما نزل البارحة في آخر الميزان ، وأي نجم حل في السرطان ؟ قال : سأنظر ذلك .
    وأخرج من كمه أسطرلابا وتقويما ، فقال له أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) : أنت مسير الجاريات ؟ قال : لا . قال : أفتقضي على الثابتات ؟ قال : لا . قال : فأخبرني عن طول الأسد وتباعده عن المطالع والمراجع ؟ وما الزهرة من التوابع والجوامع ؟ قال : لا علم لي بذلك . قال : فما بين السواري  إلى الدراري ، وما بين الساعات إلى الفجرات ، وكم قدر شعاع المدرات ، وكم تحصيل الفجر في الغدوات ؟ قال : لا علم لي بذلك قال : هل علمت يا دهقان أن الملك اليوم انتقل من بيت إلى بيت في الصين ، وانقلب برج ماجين ، واحترقت دور بالزنج ، وطفح جب سرنديب ، وتهدم حصن الأندلس ، وهاج نمل السيح ، وانهزم مراق الهند ، وفقد ربان اليهود بأيلة ، وجذم بطريق الروم برومية ، وعمي راهب عمورية ، وسقطت شرافات القسطنطينية  ، أفعالم أنت بهذه الحوادث ، وما الذي أحدثها شرقيها أو غربيها من الفلك ؟ قال : لا علم لي بذلك . قال : فبأي الكواكب تقضي في أعلى القطب ، وبأيها تنحس من تنحس ، قال : لا علم لي بذلك . قال : فهل علمت أنه سعد اليوم اثنان وسبعون عالما في كل عالم سبعون عالما ، منهم في البر ، ومنهم في البحر ، وبعض في الجبال ، وبعض في الغياض ، وبعض في العمران فما الذي أسعدهم ؟ قال : لا علم لي بذلك . قال يا دهقان ، أظنك حكمت على اقتران المشتري وزحل لما استنارا لك في الغسق ، وظهر تلالؤ المريخ وتشريفه في السحر ، وقد سار فاتصل جرمه بنجوم تربيع القمر ، وذلك دليل على استخلاف ألف ألف من البشر ، كلهم يولدون اليوم والليلة ، ويموت مثلهم ويموت هذا فإنه منهم - وأشار إلى جاسوس في عسكره لمعاوية - فلما قال ذلك ظن الرجل أنه قال خذوه ، فأخذه شئ في قلبه وتكسرت نفسه في صدره فمات لوقته . فقال ( عليه السلام ) للدهقان : ألم اُرك عين التقدير في غاية التصوير ؟ قال : بلى يا أمير المؤمنين .
     فقال : يا دهقان ، أنا مخبرك أني وصحبي هؤلاء لا شرقيون ولا غربيون ، إنما نحن ناشئة القطب .
    وما زعمت البارحة أنه انقدح من برج الميزان فقد كان يجب أن تحكم معه لي ، لان نوره وضياءه عندي ، فلهبه ذاهب عني . يا دهقان : هذه قضية عيص ، فاحسبها وولدها إن كنت عالما بالأكوار والأدوار ، ولو علمت ذلك لعلمت أنك تحصي عقود القصب في هذه الأجمة . ومضى أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه) ، فهزم أهل النهروان وقتلهم فعاد بالغنيمة والظفر ، فقال الدهقان : ليس هذا العلم بأيدي أهل زماننا ، هذا علم مادته من السماء . ) .
    ويبين لنا من ذلك أن الله سبحانه قدر مسيرة التاريخ وأحداثه الواقعة ، بشكل متناغم مع القدر الكلي ، ومتناظر مع مجرى الشمس و منازل القمر ، ويدور التاريخ دوران الفلك .
    وعندما يسأل أمير المؤمنين عليه السلام هذه الأسئلة المحددة فليس لإظهار عجز المقابل ، بل ليدله على حقيقة أصل التقدير باعتبار أن خلق السموات والأرض والأفلاك والكواكب هو سابق على خلق البشر و من ثم جعْلِهم أمما شرقية وغربية ، وان الأفلاك لها اكوار وادوار ، وكذلك الدهور لها اكوار وادوار ، ومن هنا يقول عليه السلام ( الحمد لله مكور الدهور و مكررها ) .
     ولكن لما كانت الخلق بمختلف أصنافها  وعلى اختلاف الأزمان والعصور تجهل حقيقة صورة الأفلاك وحركتها واقتراناتها وتباعد بعضها عن بعض واشراقات بعضها على بعض وتأثير بعضها على بعض ـ منذ أول الدهر والى اليوم رغم تطور المراصد الفلكية ورغم وصول الإنسان و السوابر إلى كواكب بعيدة ـ فانه سيبقى جاهلا لحقيقة تقدير حركتها و دورنها وتأثيراتها ، وظهور النجوم ذوات الذنب ( المذنبات ) في حقب زمنية مقدرة ، وكل منها له دورة خاصة ، فمنها ما يظهر كل ثلث قرن ، ومنها ما يظهر كل قرن ، ومنها ما يظهر كل اثنى عشر قرنا قمريا ، ومنها ما يظهر كل ثلاث وستين قرنا قمريا وهكذا ، وان مسيرة التاريخ وأحداثه الواقعة متناظرة معها بالتقدير نفسه .
     رابعا : إن هذا التناظر في تقدير مجرى الشمس والقمر وحركة الكواكب ودوران الأفلاك ، وتقدير مجرى أحداث التاريخ ، وصراعات الأمم ، وغلبة شرقيها على غربيها أو غربيها على شرقيها ، وسيطرة القطب ، واستقلالية الوسط ، وتسمية الآجال ، كل هذا ليس بتأثير الفلك ، بل انه مجرد تناظر فيما قدره الله لكل هذه الأمور ، ولو أن الله احدث تغييرا في تقدير مجرى الشمس ، فان التقدير لمجرى أحداث التاريخ سيبقى ثابتا على حاله لا يتغير ، وانْ تناظر مع تقدير جديد مجهول وغير معروف ، ولذلك فانه عندما ردّ الله الشمس ليوشع بن نون ، سقط حساب المنجمين لما بعد ذلك لزمن طويل ، ثم كشف الله التقدير الجديد لأنبياء لاحقين ، ثم عندما ردّ الشمس للإمام علي بن أبي طالب ، سقط حساب المنجمين واخطأ الكثير منهم معرفة القدر في أكثر الأمور ، وكذلك سيكون الحال عند طلوع الشمس من مغربها في اشراط الساعة وظهور الإمام المهدي عليه السلام ( يسقط حساب المنجمين ) بحسب الروايات .
     خامسا :  إن مما انكشف لنا من أسرار هذا التقدير ، هو تكرار المقادير المقدرة لاثنى عشر قرنا قمريا ، وهي الدهر ـ بحسب ما يظهر من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ـ إذ يقول تعالى ( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) ، فان ( الإنسان ) هنا في هذه الآية هو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام خاصة ـ كما أوردنا الروايات المتواترة في ذلك في موضوع " الإنسان و ابن الإنسان " :
    جاء في تفسير أهل البيت عليهم السلام : ( إن قوله هل أتى على الإنسان حين من الدهر ، يعني به عليا ، وتقدير الكلام ما أتى على الإنسان زمان من الدهر إلا وكان فيه شيئا مذكورا ، وكيف لم يكن مذكورا وان اسمه مكتوب على ساق العرش وعلى باب الجنة ، والدليل على هذا القول قوله : إنا خلقنا الإنسان من نطفة ، ومعلوم أن آدم لم يخلق من النطفة )
وقوله تعالى ( حين من الدهر) ، فالمقصود حين من أي دهر من الدهور ، وقوله تعالى (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ) ، فان الدهر ليس مطلق الزمن ، بل هو وحدة زمنية ، يبدو هنا أن المقصود به اثني عشر قرنا ، والله اعلم .
وعلى أية حال ، فان المهم في الأمر ، هو أن مجرى التاريخ وإحداثه الواقعة : ـ
      منها ما يتكرر بعد كل اثنى عشر قرنا قمريا ، وأننا الآن نعيش ذات المقادير التي قدرها الله لفترة غزو التتر المغول ، وأننا نترقب المستقبل من سنتنا القادمة ، في ضوء أحداث السنة السابعة بعد سقوط بغداد على يد هولاكو في القرن القمري الثاني عشر للهجرة ـ حيث نحن الآن في القرن القمري الرابع والعشرين ـ .
       ومنها ما يتكرر بعد كل ثلاثة وستين قرنا قمريا ، وهو الزمن المقدر لمضي أيام الطوفان الذي اهلك الله به قوم نوح (ع) ، وتجتمع في هذا الموعد كل من الذكريتين .
    وهذا ملخص نظرية ( التكوير والتكرير) التي اكتشفناها من خطبة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، والتي تطرق لها مرة أخرى وتحدى عليه السلام الدهقان إنْ كان يعلمها :
 (يا دهقان : هذه قضية عيص ، فاحسبها وولدها إن كنت عالما بالأكوار والأدوار ) . وهي التي تمثل فلسفة التاريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام .
      وبحسب ما اخبر به الإمام علي عليه السلام فان القرن الثاني عشر من الدورة التاريخية الثانية ـ أي القرن الرابع والعشرين ـ والذي نعيش نحن الآن عقده الأخير سيشهد قيام الساعة  ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ* ، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ*)  .


الساعة .. وقيام الساعة :
 
       رغم كل التطور الحاصل في علم الفلك مع العلوم الأخرى ، من خلال استخدام معدات اليكترونية وتكنولوجية متقدمة ، فان الفلك بحقيقته مازال مجهولا وأنظمته غير معلومة ، ومواقع النجوم غير معلومة ، رغم كل ادعاء تسمع به اليوم أو غدا عن اكتشاف غريب وجديد يوحي بان علماء الفلك رصدوا كل شيء وعلموا موقع كل شيء .
      فان من الحقائق التي لم تكتشف بعد ولا يعلم بوجودها احد هو أن هناك كواكب أو نجوم تدعى ( الساعات ) و تسمى ( الراقصات ) ـ بحسب قول الإمام علي عليه السلام  ، وان عدد هذه النجوم اثنى عشر نجما ، فيقول عليه السلام في خطبة البيان : ( ولو شئت أن اطلع الشمس من مغربها وأغيبها من مشرقها بإذن الله وأريكم آيات وانتم تضحكون ، أنا مقدر الأفلاك ومكوكب النجوم في السموات ومن بينها بإذن الله تعالى ، وعلّيتها بقدرته ، و سمّيتها الراقصات و لقّبتها الساعات ... ) 
   وبذات المقارنات التي يعقدها القرآن الكريم بين أنظمة حفظ السماء و أهل السماء وبين أنظمة حفظ الأرض وأهل الأرض ، فجعل شمسا وقمرا في السماء ، ومثلهما في الأرض ، وهما رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما :
* ( وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا* ) .
* ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا) .
* (  وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا* ) .
* ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ) .
   وكما جعل في السماء بروجا اثنى عشر وحفظها من كل شيطان رجيم : ( وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * )  . فانه تعالى جعل في الأرض بروجا اثنى عشر من أهل البيت عليهم السلام  ، وحفظهم من كل شيطان رجيم :
( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا*) .
   ولكن هذه الأمثال التي يضربها الله للناس في الآيات المتقدمة ، هي كلها في الإمامة ، إذ انه تبارك وتعالى يسأل كل إنسان يوم القيامة عن إمامه :
( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا * )  ، فمن كان إمامه منصوب من الله فيؤتى كتابه بيمينه ، ومن كان أعمى عن إمامه المنصوب من الله فسوف يبقى أعمى عمن يجوز به الصراط ، فيهوي في نار جهنم غير مظلوم ، بل باختياره هو ، غير مُكرَه على شيء ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * )  .
   فلقد جاء في خطبة سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام ولها الوفاء ، في خطبتها التي طالبت فيها بحقها في ميراثها من أبيها صلى الله عليه وآله في ارض فدك ، أن قالت فيما قالت في أمر الإمامة :
   ( ففرض الله عليكم الإيمان تطهيرا لكم من الشرك ، والصلاة تنزيها لكم عن الكبر ، والزكاة تزييدا في الرزق ، والصيام إثباتا للإخلاص ، والحج تشييدا للدين ، والحق تسكينا للقلوب ، وتمكينا للدين ، وطاعتنا نظاما للملّة ، وإمامتنا لـمّا للفرقة )  .
    ثم ينتقل القرآن الكريم من موضوع الإمامة ، إلى مسيرة التاريخ ووقائعه ، إلى الأحداث الكائنة في مستقبل الزمان ، ولما كان التاريخ هو الماضي والحاضر والمستقبل : ( لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * ) ، حيث أن قوله تعالى حكاية عن الملك المتحدث في الآية  (مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ) هو الحاضر ، وقوله ( وَمَا خَلْفَنَا ) هو المستقبل ـ وليس كما قال بعض المفسرين بأنه الماضي ـ لان التاريخ عند الله يقدم بطريقة ( العرض) ، فنحن عشنا حياتنا أولا وظهرت أعمالنا للشهود ، وسيأتي خلفنا من الأجيال والقرون التي ستولد وتظهر أعمالها للشهود ، لذلك يصف المستقبل بـ ( ما خلفنا )  .
    وبين الحاضر والمستقبل زمن متصل وممتد ، منا من يدركه ومنا من لا يدركه ، لذلك يقول ( وما بين ذلك ) .
    إذن فلما كان التاريخ هو الماضي والحاضر والمستقبل فهو يعقد لنا المقارنات بين عناصر الزمن ودلالاته ، وبين مسيرة التاريخ وقياداته .
    فبعد إن وصفهم بالبروج ، والجبال الرواسي ، والأوتاد ، وعلامات وبالنجم هم يهتدون ، عندما يأتي إلى مسيرة التاريخ وما قدره من الأحداث الواقعة ، يسميهم ( الساعة ) فكل واحد منهم هو ساعة ، فيكونوا اثنى عشرة ساعة ، ولذلك تختلف أحوالهم في القرآن الكريم ، فساعة كذبوا بها ، وساعة يمارون فيها ، وساعة تقوم :
( بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا* )  .
 ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ *  يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ* ) 
( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ* ) :
     ففي غيبة النعماني ، عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله (ع): ما معنى قول الله عز وجل (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ) ؟ فقال لي : ( إن الله خلق السنة اثني عشر شهرا ، وجعل الليل إثنى عشر ساعة، والنهار اثني عشر ساعة، ومنا إثنى عشر مُحَدّثاً، وكان أمير المؤمنين من تلك الساعات . ) .
    فأول الساعات هو الإمام علي عليه السلام ، وهو الساعة التي كذبوا بها ، ولذلك يقول تعالى ( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ*)  ، ويقول ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *)، فهؤلاء المكذبين لم يكن تكذيبهم بربوبية الله تعالى ـ فأولئك هم الكافرون ـ ولا تكذيبهم برسالة رسول الله فإنهم اقروا صاغرين بأنه مرسل من ربه ـ فأولئك هم المنافقون ، ولكن المكذبين هم الذين اسلموا لله ولرسوله وكذبوا بما اخبرهم رسول الله بان الله هو الذي أمره أن ينصب عليا عليه السلام إماما وخليفة من بعده ، وكذبوا بالأوصياء الاثنى عشر من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله ، الذين هم الساعات ، أولهم أمير المؤمنين ، وآخرهم الإمام المهدي صلوات الله عليهم ، الذي هو الساعة التي تقوم بأمر الله :
 (  محمد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطاب ، عن الحسن بن عبد الرحمن ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل : قوله : "  حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا " ؟ قال : أما قوله : "  حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ " فهو خروج القائم وهو الساعة ، فسيعلمون ذلك اليوم وما نزل بهم من الله على يدي قائمه ، فذلك قوله : "  مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا ( يعني عند القائم ) وَأَضْعَفُ جُندًا  " قلت : قوله : " ويزيد الله الذين اهتدوا هدى " ؟ قال : يزيدهم ذلك اليوم هدى على هدى بإتباعهم القائم حيث لا يجحدونه ولا ينكرونه . ) 
    وعن محمد بن المفضل عن المفضل بن عمر قال : سألت سيدي الصادق " ع " هل المأمول المنتظر المهدي ( ع ) من وقت موقوت يعلمه الناس ؟ فقال : " حاشا لله أن يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا". قلت يا سيدي ولم ذاك ؟  قال:
 ( لأنه هو الساعة التي قال الله تعالى " يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً " ،  وهو الساعة التي قال الله تعالى " يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا* إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا " ، وقال "عنده علم الساعة " ولم يقل إنها عند احد ، وقال " فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا "،  وقال " اقتربت الساعة وانشق القمر " ، وقال "  وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ *  يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ " ، قلت: فما معنى يمارون ؟ قال : يقولون متى ولد ومن رآه وأين يكون ومتى يظهر وكل ذلك استعجالا لأمر الله وشكا في قضائه ودخولا في قدرته " أولئك الذين خسروا الدنيا وان للكافرين لشر مآب " . )  .
    وفي رسالة أمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي بكر ، لما بلغ عنه كلام بعد منع الزهراء عليها السلام فدك : ( .... أما والله لو قلت ما سبق من الله فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل أسنان دوارة الرحا ، فان نطقت تقولون : حسد ، وان سكت فيقال : جزع ابن أبي طالب من الموت ، هيهات هيهات أنا الساعة ، يقال لي هذا وأنا الموت المميت ؟ خواض المنيات في جوف ليل خامد حامل السيفين الثقيلين والرمحين الطويلين ومكسر الرايات في غطامط الغمرات ( ومفرج الكربات عن وجه خيرة البريات إيهنوا . فو الله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل إلى محالب أمه ، هبلتكم الهوابل لو بحت لما أنزل الله فيكم في كتابه لاضطربتم إضطراب الأرشية في الطوى البعيدة ولخرجتم من بيوتكم هاربين وعلى وجوهكم هائمين ... . )  .
     وروى الشيخ الجليل علي بن إبراهيم ألقمي ( رحمه الله ) عن الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) : " بينما رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جالس وعنده جبرئيل إذ حانت من جبرئيل ( عليه السلام ) نظرة قبل السماء ، فامتقع لونه حتى صار كأنه كركمة ، ثم لاذ برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . فنظر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى حيث نظر جبرئيل ، فإذا شئ قد ملأ مابين الخافقين  مقبلا حتى كان كقاب من الأرض . فقال : يا محمد إني رسول الله إليك اخيّرك أن تكون ملكا رسولا أحب إليك ! أو تكون عبدا رسولا ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : بل أكون عبدا رسولا . فرفع الملك رجله اليمنى فوضعها في كبد السماء الدنيا ، ثم رفع الأخرى فوضعها في الثانية ، ثم رفع اليمنى فوضعها في الثالثة . . ثم هكذا حتى انتهى إلى السماء السابعة ، كل سماء خطوة ، وكلما ارتفع صغر حتى صار آخر ذلك مثل الذر.
 فالتفت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى جبرئيل و فقال له : لقد رأيتك ذعرا ، وما رأيت شيئا كان أذعر لي من تغير لونك ؟ ! فقال جبرئيل (ع) : يا نبي الله لا تلمني ، أتدري من هذا ؟ قال : لا . قال : هذا اسرافيل حاجب الرب ، ولم ينزل من مكانه منذ خلق الله السماوات والأرض ، فلما رأيته منحطا ظننت انه جاء لقيام الساعة ، فكان الذي رأيته من تغير لوني لذلك ، فلما رأيت ما اصطفاك الله به رجع إلي لوني ونفسي. ثم قال : ما من ملك مقرب ، ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بر ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة أن تقوم فيه الساعة ) .
 
متى تقوم الساعة ؟
         
     فبالإضافة إلى ما تقدم من الأدلة و الاستنباط من الروايات ، من ترجيحنا و توقعنا أن يكون العام القادم(2010 م ) مرحلة تاريخية جديدة أو أحداث تاريخية محددة و معلومة الاجل تكون مقدمة لظهور الإمام المهدي (ع) ، فان يحيى بن أعقب وحديثه يؤيد ذلك .
ويحيى بن أعقب : هو معلم الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام .
قال القندوزي ، في ينابيع المودة :
 ( وأما معلم السبطين ( رضي الله عنهم ) هو يحيى بن أعقب ، وهو مدفون بمصر القاهرة ، قبره يزار ويتبرك به . وقد قيل : إن جبرائيل ( ع ) جاء إلى رسول الله ( ص ) وهو جالس في المسجد بتفاحتين من الجنة ، فدخل عليه الحسن والحسين ، فناول الواحدة للحسن والأخرى للحسين ، ولما جاءا إلى معلمهما فوهباها له ، فأكلها فانطقه الله  تبارك وتعالى  بذكر المغيبات ، فقال النبي ( ص ) :" يا ابن أعقب قدم وأخر" . وهذه الحكاية مستفاضة بمصر والشام والحجاز عند الخواص والعام) 
    وكان من المغيبات التي نطق بها يحيى بن اعقب ، حرب صفين ، والطف من ارض كربلاء ، وظهور الإمام المهدي عليه السلام ، ولكنه كما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله ، فانه لم يوضح كل التوضيح ، ولا يفهم كلامه كل من يسمع أو يقرأ ، ولكن كلامه واضح عندنا بفضل الله و منّه ، فيقول القندوزي في الينابيع :
قال يحيى بن أعقب معلم السبطين ( رضي الله عنهم ) شعرا :
 فستبـدو عــجائب منكـرات       لكرهت الحياة لو كنت حيا
بين آل النبـي واطـول حـزني      فتنا هولها يشيب الصــبيا
 يوم صـفين لو عقـلت عليـما      لقتال يردى الشجاع الكمـيا
 وعلـى كـربلا مقـام شـنيـع      دهرا ويعز الشام عـزا قويا
 وتـرى السيد العـزيز ذليــلا       هائل منـكر يـؤذي علـيّا
 بعــدها تمـلـك الاعـاريب         وترى الوغد مستطيلا قويا
 ويـعـمّ الشام جـور إلـى أن        يبلغ الشـط والجسور سويا
 وبعشرين من مؤرخـة التسعين        لا بد أن يظهر الإمام المهديا
   فأما قوله :
(وبعشرين من مؤرخة التسعين * لا بد أن يظهر الإمام المهديا )
   فذلك لأنه تكلم بالتاريخ الشمسي ، ويعني بـ ( عشرين من مؤرخة التسعين ) أي بعد عشرين عاما من عام ألف و تسعمائة و تسعين ، وهو العام الذي دار فيه الزمان على حروف ببسم الله ، كما شرحنا ذلك في حل الصحيفات الجفرية في كتاب ( عولمتنا .. دولة الإمام المهدي "ع" ) ، وهو الذي دار فيه الملك على أهل حرف الباء ( بوش وبقية القائمة من أهل الملك ) ، فبعد هذا العام تكون مقدمات ظهور الإمام المهدي عليه السلام ، أي في أواخر عام ( 2010 م ) .
    أما المنتظر فهو خلع العرب أعنتها وتمردها على الأنظمة الحاكمة وسقوط دولة بني العباس على يد المروانيين ، وقتل المروانيين بالسفياني الذي يملك ثمانية أشهر فقط ، ثم يوم الخروج .
*  بسنده عن يعقوب  السراج ، قال : " قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : متى فرج شيعتكم ؟ قال : إذا اختلف ولد العباس ووهى سلطانهم ، وطمع فيهم من لم يكن يطمع ، وخلعت العرب أعنتها ، ورفع كل ذى صيصية صيصيته ، وظهر السفياني ، وأقبل اليماني ، وتحرك الحسني ، خرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكة بتراث رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) ، قلت : وما تراث رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) ؟ فقال : سيفه ، ودرعه ، وعمامته ، وبرده ، ورايته ، وقضيبه ، وفرسه ، ولامته وسرجه ".   ، وهذا الموضوع المهم سنخصص له بحثا خاصا لأهميته .
وتستمر هذه الفتنة ( خلع العرب أعنتها ) بحسب ما استنبط من الروايات ـ أنها تستمر ثلاث سنين وتسعة أشهر وستة أيام ، والله العالم . الدليل :
في إلزام الناصب : سألت الإمام الرضا عليه السلام : متى فرج شيعتكم ؟ قال : أنى يكون ذلك ولمّا تنقضي الروضة و الطواسين  .
الروضة و الطواسين :
قال اليازدي في إلزام الناصب إن المختصين بعلم الحروف حسبوها فكانت ( ألف و ثلاثمائة و خمس و ثلاثين ) , ولكن اليازدي وهؤلاء العلماء اخطئوا بالمراد منه ، فاعتقدوا انه التاريخ الموعود .
ولكن بحثنا وقع على رواية تدل على أن ( الألف وثلاثمائة وخمسة وثلاثين ) هي ليست تاريخ هجري ، بل هي أيام ، وهي الفترة التي تستمر فيها مدة خلع العرب أعنتها ، و توالي سقوط الأنظمة العربية الحاكم في فوضى عارمة ، فيها يملك ( السفياني ) ثم تكون الصيحة والنداء وجميع الآيات الموعودة في الأربعين يوما الأخيرة منها ، كما فصلنا كل ذلك في كتابنا ( عولمتنا .. دولة الإمام المهدي "عج") والله العالم .
(  وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ  )  .
  ( وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ *  )  .
    إن الله سبحانه قال (  فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ* )  ، فإننا نعيش اشراط الساعة ، أبصرها من أبصرها ، وعمي عنها من عمي ، فإننا لا نوقت ولكن نتوقع بناء على ما يقوله رسول الله و أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم ، وليس بعلم خاص عندنا ، فالقول قولهم ، والاستنباط و التحقيق و البحث فيما يقولون هو بتوفيق من الله .حدهما يفسر الآخر أو يوضح ويتمم الآخر .
   ويقول أمير المؤمنين في خطبة تطنجية بان الظهور سيكون في القرن الثاني عشر ، ويثبت هذا البحث ، حسب نظرية التكوير والتكرير بان السنوات الفردية المتبقية من هذا القرن القمري ، و الذي ينتهي بسنة 1439 هج سيشهد هذا الحدث العظيم ، و طبعا و دائما .. إذا شاء الله ذلك .
    كما يثبت هذا البحث بان الحديث المرفوع عن رسول الله (ص) بان ظهور السفياني : في خمس وثلاثين ، أو سبع وثلاثين ، أو تسع وثلاثين . وكما رواه نعيم بن حماد في الملاحم ، يثبت أن كلام رسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام ، كلام واحد ، و أن بعضه يفسر بعض أو يوضح بعض .
 ويقول الإمام الصادق عليه السلام ( إذا أخبرناكم بخبر ووقع كما أخبرناكم ، فقولوا " صدق الله ورسوله " ، وإذا وقع على غير ما أخبرناكم ، فقولوا " صدق الله ورسوله ، تؤجروا مرتين " .
 ولقد قال مؤمن آل فرعون في كتاب الله (  وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * )  .
   فمن كان له في هذا البحث بيّـنات فليتق الله وليحذر ، وما هو من الخاسرين .
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 2:42 am

الخاتمة
    إن الحقيقة لا يمكن أن نختلقها ، أو نتخيلها ، أو نبتدعها ، أو نصنعها ، لأنها عندئذ ، لا تكون إلا وهما ، أو زيفا ... الحقيقة نكتشفها فقط ، لأنها موجودة قبل وجودنا ، وموجودة خارجنا وليس في داخلنا ، لذا فان البحث هو سبيلنا للوصول إليها واكتشافها .
    ولكننا لا يمكن أن نبحث عن شيء لا نؤمن به و بوجوده ، فالمعرفة هي الأساس ، والإيمان هو نقطة البداية ، والبحث هو السبيل ، فان لم نكتشفها أو نصل إليها فذلك لا يعني أنها غير موجودة ، لأن كل شيء حينئذ يكون هو محض وهم .. بما في ذلك وجودنا نحن كحقيقة .. فسواء فكرنا أو لم نفكر فنحن حقيقة موجودة ، أما اعتقاد ديكارت بان وجوده من خلال تفكيره ( أنا أفكر إذن أنا موجود ) فتلك مشكلة عقلية موجودة في عقل ديكارت ، فحتى لو توقف عن التفكير كليا ، فانه في النهاية ذاهب إلى احد مصيرين ، فأما إلى الجنة أو إلى النار ، وعند ذلك لا يمكنه أن ينكر وجوده ويقول : أنا غير موجود لأنني لم أفكر.
    ومشكلة الديالكتيك ، هي مشكلة عقلية موجودة في عقل ماركس وانجلز وأتباعهم ، وقد أثبتت التجارب العلمية الفيزيائية أكذوبتها ، ولقد كان كل هدف الأباطيل والأضاليل السفسطائية التي جاءوا بها متنكبين نظريات داروين التطورية ، فان كل أهدافها كانت إثبات أزلية الكون والعالم ، وما الصراع الافتراضي بين الأصلح والأضعف إلا تفسيرات فاشلة لحقائق موجودة في المقادير الإلهية ، وهي الكرّات ، ومداولة الأيام بين الناس وبين الأمم المختلفة العاقلة وغير العاقلة ، إلى قيام الساعة .
    فلقد أثبتت التجربة الفيزيائية الجريئة جدا لجمع كبير من علماء الفيزياء بقيادة عالم الفيزياء الكبير ( ستيفن هوكنغ ) ، من خلال تجربتهم التي أجروها في نفق دائري كبير جنوب فرنسا في العام الماضي ، بقصد إثبات نظرية ( الانفجار الكبير ) أو ( الدوي الهائل ) التي يقول بها ستيفن هوكنغ ، التي تثبت أن الكون محدثا وليس أزليا ، وان له بداية وله نهاية ، وقد أدى نجاح التجربة إلى اعترافات خطيرة من كل أدعياء أزلية الكون عن فشل جهودهم وضياع كل ما عملوه هباء وكان من اعترافاتهم بعد الهزيمة ، هو عدم قناعتهم بما كانوا  يقولون ، ولكنها من أساليب الحرب على الدين ـ كما نشرت مقالات كثير منهم على الانترنيت ـ.
    وقد قال القرآن الكريم قوله الفصل في الديالكتيك قبل أن يخلق الله هؤلاء ويخبر عن دعاواهم التي سيأتون بها ، إذ يقول تعالى ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا *) .
   ولا نقول هذا لان تعريف الديالكتيك : هو الجدل ، بل لان هذه الآية هي من سورة الكهف ، وتأويل سورة الكهف يكون بسقوط حضارات الروم والترك وغيرهم ، وظهور أهل الكهف أصحاب الإمام المهدي ، عبد الله الذي لا عوج له ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ) ، ولذلك فان أكثر آيات الجدل جاءت في سورة الكهف ( وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا * )  ، ولا يختص الجدل هنا بمعنى المجادلة والعناد ، بل بجدلية الحق  وجدلية الباطل ، فجدلية ارتباط الشيء بالشيء هو حق ولكنهم يؤفكونه إلى الباطل ، ولذلك جاءت السورة على ذكر موسى والخضر وما جرى بينهما للتأشير على هذه الجدلية التي تعود بكل شيء ، من خرق السفينة إلى بناء الجدار إلى قتل الغلام ، تعود بها إلى جدلية ارتباط الحدث بالمقادير الإلهية غير الظاهرة وغير المحسوسة .
   وبالسياق ذاته يأتي القرآن الكريم على جدلية الحق والباطل في جعل السيد المسيح (ع) مثلا في بني إسرائيل للتدليل على ما سيأتي في هذه الأمة وتقديره في الإمام علي عليه السلام ، إذ يقول تعالى ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ* وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ* )  ، فان الارتباط الجدلي بين الأحداث ومقاديرها ، وبين عناصر الوجود الكلية هو حقيقة عليا ، ولكن الجدل السخيف المتحذلق الذي يثيره إبليس في عقول البعض ، من مثل : هل البيضة من الدجاجة أم الدجاجة من البيضة . فهذا من الجدل بالباطل ، وهو لا يلغي الجدل بمعناه الآخر الذي يعني العناد لمجرد العناد والاستكبار .
    ومن بعد فان الحتمية التاريخية إذا كنت تعني " حتمية انتصار الشيوعية " فأنها لم تكن سوى أمنية خائبة ، فلقد سقطت قبل أن تخوض أي حرب حقيقية مع الامبريالية ، بل تحولت إلى ذيل تابع للامبريالية ، وقامت بدلا عنها النزعة القومية لتدافع عن وجودها .
     وإذا كان الاقتصاد عندهم هو الأساس في تفسير التاريخ فتلك مشكلة فكرية عندهم فقط .. لان قيام الدول العالمية في ضوء القرون القمرية ـ في كل اثنى عشر قرنا قمريا تقوم دولة عالمية على الرقعة الجغرافية التي تضم الأنهر الخمس ، سيحون و جيحون والفراتان و النيل ـ فان هذه الدول لم تقم لأسباب اقتصادية ، فلا ذو القرنين ولا سليمان النبي ولا الإسكندر المقدوني ولا هرون الرشيد ولا هولاكو قام احدهم بالغزو من اجل النفط ولا البحث عن الأسواق لتصريف البضائع ولا البحث عن الموارد الأولية اللازمة للصناعة .
     ربما كانت من الأسباب الظاهرية لهذا الغزو عند آل بوش والأمريكيين ، ولكنها ليست الأسباب الحقيقية ، وإذا سلمنا جدلا بأنها كذلك ، فهل كانت دوافع هولاكو البحث عن أسلحة الدمار الشامل عند المستعصم ، أو الاستيلاء على النفط والزئبق ؟
    ومشكلة ابن خلدون هي مشكلة عقلية ، لأنه يقيس ، وقد أودى القياس بأهل القياس في المهالك ، مشكلة ابن خلدون انه  لا يصدق بان ( الملوك والرؤساء والخلفاء ) فاسدون مفسدون ، ولذلك فانه يكذب بكل الحقائق التي تمس شرف وسمعة و كرامة ( الملوك) ، ومن هنا تكذيبه بالأخبار ، فيقول في مقدمته :
( ومن الحكايات المدخولة للمؤرخين ، ما ينقلونه كافة في سبب نكبة الرشيد للبرامكة ، من قصة العباسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه ، وأنه لكلفه بمكانهما من معاقرته إياهما الخمر أذن لهما في عقد النكاح دون الخلوة حرصا على اجتماعهما في مجلسه وأن العباسة تحيلت عليه في التماس الخلوة به لما شغفها من حبه حتى واقعها ( زعموا في حالة السكر ) فحملت ووشي بذلك للرشيد فاستغضب .
       وهيهات ذلك من منصب العباسة في دينها وأبويها وجلالها وأنها بنت عبد الله بن عباس ليس بينها وبينه إلا أربعة رجال هم أشراف الدين وعظماء الملة من بعده ....... فأين يطلب الصون والعفاف إذا ذهب عنها أو أين توجد الطهارة والذكاء إذا فقدا من بيتها أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى وتدنس شرفها العربي بمولى من موالي العجم بملكة جده من الفرس أو بولاء جدها من عمومة الرسول وأشراف قريش وغايته أن جذبت دولتهم بضبعه وضبع أبيه واستخلصتهم ورقتهم إلى منازل الأشراف وكيف يسوغ من الرشيد أن يصهر إلى موالي الأعاجم على بعد همته وعظم آبائه ) ؟؟؟؟
    ولا نرد عليه قوله إلا من القرآن الكريم ، فان فرعون قال ـ كما في الآية ـ ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ *)  ، فلماذا لم يقتل موسى ، وهو عازم على ذلك كل العزم ؟
   فيجيب الإمام الصادق عليه السلام ( لان فرعون لم يكن ابن زنا ، وان الأنبياء وأولاد الأنبياء لا يقتلهم إلا أولاد الزنا ، فلم يمكنه الله منه لأنه ليس ابن زنا  ) ، فان من قتل الأئمة المعصومين من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله هم أولاد زنا ، وبيوتهم ترتع فيها الفواحش ، ومهما كان تكذيبه بالحقائق عن الملوك الفاسدين المفسدين ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ* )  ، ولو كان ابن خلدون في حاضرا في الحفل الصاخب الذي كان في قصر صدام حسين ، وشاهد بعينه ما جرى من قتل ( عدي ) ابن صدام لـ( كامل ججو) عشيق السيدة الفاضلة ساجدة زوجة الرئيس وهما يمارسان الغزل والعهر علنا في فورة السكر مما اغضب ابنها عدي فقتل كامل ججو ، ومن ثم حبسه أبوه ، وتوسط ملوك الخليج عند صدام لإطلاق سراحه فأطلقه ، ترى ماذا سيلقي علينا ابن خلدون من محاضرات في عفاف الملكة والبيت المالك ؟  ولا ادري ما تعليقه على ما وصفه ابن كثير من حالة القصر العباسي عند وصول التتر إلى قاعة الرقص والجواري قتلت وهي ترقص بين يدي ( خليفة الله ورسوله ) وابن كثير ليس رافضيا ، بل متطرفا من ( أهل السنة والجماعة ) .
     ثم يقول في مقدمته (وأبعد من ذلك وأعرق في الوهم ما يتناقله المفسرون في تفسير سورة الفجر في قوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد فيجعلون لفظة إرم اسما لمدينة .... وأنها مدينة عظيمة قصورها من الذهب وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الشجر والأنهار المطردة ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته حتى إذا كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا كلهم ، ذكر ذلك الطبري والثعالبي والزمخشري وغيرهم ....... ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة التي هي أقرب إلى الكذب المنقولة في عداد المضحكات وإلا فالعماد هي عماد الأخبية ، بل الخيام !!!!) .
   بينما لم يفسر لنا ابن خلدون معنى قوله تعالى (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ*) فإذا كانت هي اخبية فقط وخيام ، فما هو التفرد الذي تفردت به ولماذا جعلها الله آية للمعتبرين ، فهل المشكلة في القرآن وانه يبالغ ، أم هي في عقل ابن خلدون الذي يكذب بآيات الله ؟
      ثم يقول في مقدمته ( ومن أمثال هذه الحكايات ما نقله ابن عبد ربه صاحب العقد من حديث الزنبيل في سبب إصهار المأمون إلى الحسن بن سهل في بنته بوران ، وأنه عثر في بعض الليالي في تطوافه بسكك بغداد .... فلم يزل يعاقرها الخمر حتى الصباح ورجع إلى أصحابه بمكانهم من انتظاره وقد شغفته حبا بعثه على الاصهار إلى أبيها .
      وأين هذا كله من حال المأمون المعروفة في دينه وعلمه واقتفائه سنن الخلفاء الراشدين من آبائه وأخذه بسير الخلفاء الأربعة أركان الملة ، ومناظرته العلماء ، وحفظه لحدود الله تعالى في صلواته وأحكامه ، فكيف تصح عنه أحوال الفساق المستهترين في التطواف بالليل وطروق المنازل وغشيان السمر سبيل عشاق الأعراب)  !!!!!
   عجبا لك يابن خلدون ، من قتل الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام بالسم لا لسبب إلا الخوف من منزلته وبسبب الحسد لآل النبي صلى الله عليه وآله ؟ وعلي الرضا عليه السلام هو أعظم منزلة عند الله من موسى بن عمران عليه السلام ، لأنه وصي خاتم الأنبياء ، فمن قتل إماما هو أعظم من موسى بن عمران (ع) ، هل هو صاحب دين ، وتستنكر ارتكابه الفواحش ؟ وهل هذا هو المنهج في التحقيق التاريخي ؟
    ويقول في مقدمته في تكذيبه لخبر جنود سليمان (ع) (ولا يتشعب النسل في أحد عشر من الولد إلى مثل هذا العدد الذي زعموه اللهم إلى المئتين والآلاف فربما يكون ، وأما أن يتجاوز إلى ما بعدهما من عقود الأعداد فبعيد واعتبر ذلك في الحاضر المشاهد والقريب المعروف تجد زعمهم باطلا ونقلهم كاذبا )  .
    فان اعتراف ابن خلدون بأنه ليس مثل المسعودي ، فلم يسافر في البلاد ويطلع على أحوال المجتمعات ، فيكفيه أن يزور اليوم قطاع غزة مثلا ، أو مدينة الصدر ومثلها كثير ويلاحظ ظاهرة ( الانفجار السكاني ) التي لا يعرفها ابن خلدون ، وهي في قوله تعالى ( وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) ، ويحكم على الأخبار من خلال القياس على مجتمعه ومن خلال ظرفه الزمني .
     ولو كان ابن خلدون حاضرا ( حرب الأيام الستة ) وشاهد الجيوش العربية وأكثر من مئة وخمسين مليون عربي يفرون فرار الغنم من الذئب ، من بضع عشرات الآلاف من جنود و عصابات بني إسرائيل في حرب عام ( 1967 م ) ، عندها يفهم أن قياساته العقلية هي قياسات غير سليمة ، وان منطقه في التحقيق في الأخبار هو منطق نشأته وظرفه التاريخي والجغرافي ، ولا ينطبق على القرون المختلفة .
    إلا أن ابن خلدون ، بعد اندفاعه في الدفاع عن العروش والقصور وملوكها ، وبعد القياس الذي أسس له بعض أصحاب المذاهب ، وخاصة أبو حنيفة النعمان ، وما كان من دروس وعبر و علوم حصل عليها أبو حنيفة من الإمام الصادق عليه السلام وقال فيها " لولا السنتان لهلك النعمان " ، فان ابن خلدون يتراجع بعض الشيء عن قياساته ويصحح فكرته ، فينتج من قوله : انه اخطأ في الكثير من القياسات ، حيث يقول بعد ذلك في مقدمته :
 ( ومن الغلط الخفي في التاريخ ، الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الاعصار ومرور الأيام وهو داء دوى شديد الخفاء ، إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة ، وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة ... [ إلى أن يقول ]... والسبب الشائع في تبدل الأحوال والعوائد : أن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الأمثال الحكمية " الناس على دين الملك " .)  .
ومن هنا فانه يتناول دولة الادارسة في المغرب ، بموضوعية أكثر ويحاول دراسة الظرف التاريخي المحيط بها ويدرس أصلها ، ويخلص من ذلك إلى ما يتناقض مع ما سبق ، فيقول :
( وظهر الرشيد من بعد ذلك على ما كان من واضح مولاهم وعاملهم على الاسكندرية من دسيسة التشيع للعلوية ، وإدهانه في نجاة أدريس إلى المغرب ، فقتله ودس الشماخ من موالي المهدي أبيه للتحايل على قتل أدريس فأظهر اللحاق به والبراءة من بني العباس مواليه فاشتمل عليه أدريس وخلطه بنفسه وناوله الشماخ في بعض خلواته سمّا استهلكه به ، ووقع خبر مهلكه من بني العباس أحسن المواقع لما رجوه من قطع أسباب الدعوة العلوية بالمغرب واقتلاع جرثومتها، ولما تأدى إليهم خبر الحمل المخلف لإدريس فلم يكن لهم إلا كلا ولا ، وإذا بالدعوة قد عادت والشيعة بالمغرب قد ظهرت ودولتهم بأدريس بن أدريس قد تجددت فكان ذلك عليهم أنكى من وقع السهام وكان الفشل والهرم قد نزلا بدولة العرب عن أن يسموا إلى القاصية فلم يكن منتهى قدرة الرشيد على أدريس الأكبر بمكانه من قاصية المغرب واشتمال البربر عليه إلا التحايل في إهلاكه بالسموم .)  .
ثم يقول :
    فخشي هؤلاء الأمراء الاغالبة بوادر السعايات وتلوا بالمعاذير فطورا باحتقار المغرب وأهله وطورا بالإرهاب بشأن أدريس الخارج به ومن قام مقامه من أعقابه .... وطورا يطعنون في نسب أدريس بمثل ذلك الطعن الكاذب تخفيضا لشأنه لا يبالون بصدقه من كذبه لبعد المسافة وأفن عقول من خلف من صبية بني العباس وممالكهم العجم .. واعتدها ذريعة إلى النيل من خلفهم عند المنافسة ومالهم قبحهم الله والعدول عن مقاصد الشريعة .... على أن تنزيه أهل البيت عن مثل هذا من عقائد أهل الإيمان فالله سبحانه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ففراش أدريس طاهر من الدنس ومنزه عن الرجس بحكم القرآن ومن اعتقد خلاف هذا فقد باء بإثمه وولج الكفر من بابه ، وإنما أطنبت في هذا الرد سدا لأبواب الريب ودفعا في صدر الحاسد لما سمعته أذناي من قائله المعتدي عليهم القادح في نسبهم بفريته وينقله بزعمه عن بعض مؤرخي المغرب ممن انحرف عن أهل البيت وارتاب في الإيمان بسلفهم وإلا فالمحل منزه عن ذلك معصوم منه ونفي العيب حيث يستحيل العيب عيب لكني جادلت عنهم في الحياة الدنيا وأرجو أن يجادلوا عني يوم القيامة) .
    وعلى أية فإننا نسال الله أن يجادلوا عنك يوم القيامة ، كما جادلت عنهم في الدنيا ، ولكننا نجد أن هذه الموضوعية وهذا الميل إلى الحق ، إنما كان مع دولة الادارسة الحسنيين في دولة المغرب ، وذلك لنشأة ابن خلدون البدوية ومعرفته بأخلاق أهله ، واطلاعه مباشرة على مؤامرات بني العباس وعدم تورعهم في عمل أي منكر وأي جرم من اجل الملك ، وهذا يبنطبق على الجميع ، ليس بالقياس ، وإنما بالنصوص والأحاديث النبوية الصادقة ، في أولهم وآخرهم ، ويظهر من النص الأخير (  فطورا باحتقار المغرب وأهله وطورا بالإرهاب بشأن أدريس الخارج به ) .
   إن تهمة الإرهاب والخروج على القانون ، تهمة قديمة جدا ، افتراها بني العباس على معارضيهم لتبرير الحرب ضدهم والتأليب عليهم ، كنا نتمنى لو أن ابن خلدون درسها دراسة موضوعية في أسباب سقوط الدولة العباسية ، واصل ذلك القدر من المقادير الإلهية ، ودراسة مذهب ( الروافض ) وليس التحامل عليه بالعصبية ، والميل إلى دين الآباء وما وجدهم عليه من دين ، فان هذا لا يُقبل من رجل مثل ابن خلدون ، وتناقضاته في تحقيقاته في الأخبار مليئة بمثل هذا ، فمرة ينزههم إلى حد التقديس ، ومرة يأتي بالشواهد على قتلهم أهل البيت عليهم السلام  بالسم ونسب المنكر من القول والفعل إليهم .
    و لو فتحنا باب الحوار والنقد لكل " فلاسفة التاريخ " لما وجد احد من القراء سوى التخبطات العقلية و الفكرية ، فأين فلسفة التاريخ عند كل من ادعاها ؟ وهل هي إلا آراء سياسية فاسدة وضعوا لها إطارا تاريخيا وزوقوها ببعض المصطلحات ، ويسمونها ( فلسفة التاريخ ) .
    ثم أتوا بدعوى جديدة عن " نهاية التاريخ " واعتقدنا بان فوكوياما يقصد قيام الساعة ، ولكن بعد إن تكشف لنا بان فوكوياما لا يرى التاريخ إلا من خلال سيطرة أمريكا وهيمنتها على العالم ، ويرى بان التاريخ هو قمة في التطور تصل إليه الإنسانية ثم ينتهي التاريخ ويفنى العالم ! ولم يفهم أن نهاية الهيمنة الأمريكية هي نهاية دولة الباطل وقيام دولة الوعد الإلهي ، وان العلم والتطور الذي تتبجح به أمريكا وأوربا الآن إذا ما قيس إلى العلم و التطور الذي سيكون بمجرد قيام الساعة وظهور الإمام المهدي عليه السلام ، هو كعلم وتطور العصور الحجرية بالقياس إلى اليوم ، فهي ليست نهاية التاريخ ، بل نهاية دولة الباطل  ، وبداية العلوم ، وبداية التطور ، وبداية الحرية ، وبداية الحياة الإنسانية الكريمة ، وبداية الحق والعدل والنعيم ، وتضع الحرب أوزارها إلى يوم القيامة .
      وعلى أية حال ، فان فلسفة التاريخ هي أعظم من كل ما قيل و يقال ، وأعظم من العلية والغائية التي تحدثوا بها ، وأعظم من الأسباب و المسببات ، والتعابير الإنشائية التي لم تفض بالنتيجة إلى أي شيء ، فرغم مباحث سيد قطب و مالك بن نبي ومحمد إقبال وغيرهم في قوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) :
(( إن النفس الإنسانية هي الأساس لكل فعل في التاريخ ، فكل حالة تاريخية تعيشها امة في مرحلة من مراحل تاريخها ، هي من صنع النفس الإنسانية ، فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ ، وإذا سكن ، سكن المجتمع والتاريخ ، ليجد ( مالك بن نبي ) مستنده في قاعدة قرآنية في غاية الوضوح ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) فكل تغيير هو رهن بتغيير جذري في طيات النفوس ، لذا فان الحل الوحيد في مشكلة الحضارة ، منوط بتكوين الفرد الحامل لرسالته في التاريخ ، لتلتقي الأسباب الطبيعية مع شرعة السماء في تكوين القاعدة الجوهرية : " غير نفسك تغير التاريخ " ))   .
     ثم يعلق الدكتور صائب عبد الحميد على فلسفة مالك بن بني : ( لقد وضع ابن نبي بين يدي الأمة المسلمة خصوصا ، وأمم العالم الثالث عموما ، فلسفة حيوية قائمة على أسس علمية متينة ، كفيلة بان تكون ، وبجدارة فائقة ، أساسا لمشروع استراتيجي لنهضة حضارية شاملة ، تستعيد من خلالها هذه الأمم هويتها الحقيقة ) !!!!
    ومع احترامنا لرأيه ، فإننا نجد هذه المباحث الفلسفية بائسة وصماء ، لان فلاسفتها يرفضون البحث والكشف عما بأنفسهم مما يعذبهم الله عليه ، ويحاولوا استبدال المطلوب ، ببديل من السلوكيات ، بينما الحق إن كل ما يعذب الله عليه ، الذي هو المطلوب أولا  وقبل كل شيء ، هو الولاية لله ولرسوله وللمؤمنين :
( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ *وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ ) :
       قال ابن عباس ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله ( من حديث طويل) :
 (  إن الإسلام بني على خمسة ، على الولاية والصلاة و الزكاة و صوم شهر رمضان و الحج ، فأما الولاية فللّه ولرسوله وللمؤمنين ، الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون " ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون " .
قال ابن عباس ، فقال سلمان : يا رسول الله ، للمؤمنين عامة أو خاصة لبعضهم ؟
قال (ص) : بل خاصة لبعضهم ، الذين قرنهم الله بنفسه و بنبيه في غير آية من القرآن .
قال : من هم يا رسول الله ؟
قال (ص) : " أولهم وأفضلهم وخيرهم أخي هذا ، علي بن أبي طالب ـ ووضع يده على رأس علي عليه السلام ـ ثم ابني هذا من بعده ـ ووضع يده على رأس الحسن (ع) ـ ثم ابني هذا من بعده  ـ ووضع يده على رأس الحسين (ع) ـ والأوصياء تسعة من ولد الحسين (ع) واحدا بعد واحد ، حبل الله المتين و عروته الوثقى ، هم حجج الله على خلقه ، وشهداؤه في أرضه ، من أطاعهم فقد أطاع الله و أطاعني ، ومن عصاهم فقد عصى الله و عصاني ، هم مع الكتاب ، و الكتاب معهم ، لا يفارقهم ولا يفارقونه حتى يردا علي الحوض " .)  .
   ولكن هؤلاء ( الفلاسفة ) عندما يحاولون تحليل أسباب انفراط عقد الأمة وتردي أحوالها وتسليط الله للجبابرة عليها ، و يعثروا على أن احد الأسباب هو قوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) فإنهم لا يقولون ما هو الذي يجب تغييره مما بأنفسهم ويعذبهم الله عليه ، ولا يكفون عن اتخاذ العجول ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ *)  ، وبالتالي فان فلسفتهم لا تساوي حبة خردل ، ولا تُشفي خدش الجلد .
         ودعاة ( الحداثة ) و ( الفكر التنويري ) اليوم في الفكر الإسلامي ، هم دعاة إلى ما رفضه الإمام علي عليه السلام ( لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم ) ، ففي خطاب للرئيس الأمريكي بوش الابن أمام جنود البحرية الأمريكية في فلوريدا ، يوم الخميس 12 / 2 / 2003 م ، قال : ( ترغب أمريكا أن تكون بلدا فوق الجميع ، مستندة إلى مفاهيم إنجيلية قد سبق لعديد من الرؤساء الأمريكيين الحديث عنها ، وهي أن البشرية بكاملها يجب أن تنظر لأمريكا كيوتوبيا واقعية لمدينة القدس السماوية كمدينة إلهية على الأرض ) .
   فتعلق مجلة دير شبيغل الألمانية التي نشرت الخطاب مع تقرير مطول عنه ، تقول : إن مثل هذه الادعاءات المفرطة غير المعقولة ، هي التي تهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية ، فحكومة بوش حاولت منذ البداية تبرير حربها ضد العراق بأسباب متناقضة ، فمرة بسبب علاقة صدام حسين و بن لادن ، التي لم ينجحوا أبدا في إثباتها ، و مرة لتغيير النظام العراقي المعادي لأمريكا ، و مرة لتدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية ، و مرة لضمان امن احتياطي النفط في الشرق الأوسط ، ثم مرة أخرى لتحرير الشعب العراقي من صدام حسين ، ثم مرة أخرى كأداة لفرض الديمقراطية على المنطقة بكاملها ) 
    ويتعرض فيما يتعرض الكتاب ( بوش ويوم الرب العظيم ) إلى كل القساوسة وأصحاب المدارس ( السلفية ) اليمينية المتطرفة التي تقود أمريكا اليوم ، والى تفاصيل معركة هرمجون ( وادي مجيدو ) والى خلاصة مقولتهم التي يتمسكون بها اشد التمسك : ( أما فيما يتعلق بتدمير الكرة الأرضية ، فإننا لا نستطيع أن نعمل شيء ، إن السلام من اجلنا ليس في كتاب الله .. لقد كانت تلك رسالة (سكوفيلد ) و رسالة ( فال وورد ) و ( لندسي ) ، وهي الرسالة التي تصل إلينا دائما : " لن يكون هناك سلام حتى يعود المسيح ، إن أي تبشير بالسلام قبل هذه العودة هو هرطقة .. انه ضد كلمة الله ، انه ضد المسيح " )  .
    ويقول محلل النظريات ( جون داربي ) : بعد سبع سنوات على هذه السيطرة الشيطانية ، المسيح و قديسوه لربما يتمثلون بجورج بوش الابن ومعاونيه ، سيعودون وينتصرون على الشر بمعركة تسمى بـ ( هرمجدون ) ، وهي ساحة معارك قديمة على مقربة من حيفا ، شمالي إسرائيل ، وعند استقراره في القدس ، سيحكم المسيح بسلام ألف عام ، وهي الألفية المنتظرة ) 
       فما هو التنوير الذي تتنورون به ؟ وما هي الحداثة التي تحدثون بها عقولكم البالية ؟ هل انتم نائمون أم مُنَـوّمون ؟ أم أصبحتم كالضبع نامت من كثرة اللدم والإيقاعات ذات الوتيرة الواحدة ؟ وماذا ينفعكم أن تنتقدوا صموئيل هنتغتن على شغفه بـ ( صراع الحضارات ) وهو يعتقد أنهم سيملكون الأرض لمدة ألف عام ، وان الانتصار المحتوم هو انتصارهم علينا ليس لأننا إرهابيون وأشرار فقط ، بل لأننا أعداء السيد المسيح كما يروجون لذلك ؟ فكيف ستمنعون ما قدره الله أيها الحداثيون التنويريون ؟  هل بالاعتدال ، أم بالبراغماتية ، أم بالتكنوقراطية ؟
    وأما العوامل الاقتصادية ودورها في وقوع ما قدره الله ، فالأمر لا يعدوا كونه إثارة الطمع في نفوس الغزاة ، أولي البأس الشديد ، وتسليطهم على الفساق والجبابرة والكفرة والمكذبين ليعذبوهم .
    ففي الروايات ( لا يظهر المهدي إلا عن طمع ) ، عندما ترى قطعان كبيرة وكثيرة من الكلاب المسعورة وتريد أن تجعلها تتقاتل فيما بينها ليأكل بعضها بعضا ، إرم لها عظام كبيرة وقوية لا يستطيع احد منهم أن يحملها ويهرب بها ، أو يقضمها ويبتلعها فتيأس البقية ، عند ذلك قف جانبا ونظر إليها كيف ستتقاتل إلى حد الموت .
     فتقول كتب التيار التجديدي للميسوديت ، وهو التيار الصهيوني المسيحي الذي كان بوش من احد أهم أركانه ـ وما زال أتباعه يسيطرون على مقاليد كثير من الأمور حتى بعد رحيل بوش ، تقول هذه الكتب : ( إن المسيح مثل الذهب النقي الخالص ، وان هذا الذهب يجب أن يحيط به عند ظهوره لهذا العالم وبكميات ضخمة ، وان تكون له مناطق وممرات يسير فيها ذهبا نقيا خالصا ، وان هذا الذهب لابد أن يأتي من إحدى الدول القريبة من أورشليم ، وان الذهب وضع في هذه الدولة لأنه يجب أن يكون هناك اقتتال عنيف على الذهب ، وان هذا الذهب لن يتم الحصول عليه إلا بصعوبة بالغة ، وبعد فترات طويلة من الاقتتال العنيف مع أصحاب هذا الذهب ، وان هذا الذهب له مواصفات معينة لن يوجد في أي دولة مسيحية ، وان خصائص هذه الدولة تنطبق على العراق ، وان جبل الذهب مازال موجودا داخل العراق ، حتى وان لم يتم اكتشافه بعد .
     وتقول كتب الميسوديت : إن العراقيين إذا نجحوا أولا في السيطرة على الذهب  وما يرتبط به من جبل الذهب ، فإنهم قد يسيطرون على كل المنطقة ، وإنهم سيدفعون باتجاه الحرب مع إسرائيل ، وان العراقيين سينتصرون على إسرائيل في هذه الحرب ، بل ويزيلون هذه الدولة من الوجود ، ومن هنا فان السيطرة الأمريكية على العراق هي لمنع سيطرة العراقيين على جبال الذهب ، ومنع خطط مستقبلية للسيطرة على العالم ، لأنهم هم سيكونوا رفقاء السيد المسيح في حياته الجديدة ، فان السيطرة الأمريكية لابد أن تكون دائمة ، لضمان السيطرة النهائية على تطورات الأوضاع في هذه المنطقة )  .
   ولقد مر بنا شيء يسير من الروايات المتواترة عن جبل الذهب الذي ينحسر عنه الفرات في منطقة قرقيسيا وتتقاتل عليه الناس والأمم والأحزاب ، وأول من يتقاتل عليه المروانيون والعباسيون والسفياني Sad الفتنة الرابعة عمياء مظلمة تمور مور البحر تدوم إثنى عشر عاما تنجلي حين تنجلي وقد انحسرت الفرات عن جبل من ذهب فيقتتلون عليها حتى يقتل من كل تسعة سبعة )  .
    وفي القرآن الكريم حول هذا الموضوع في قوله تعالى ( فقد جاء اشراطها ) : بسنده عن عبد الله بن عباس قال : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثم أقبل علينا بوجهه فقال : ألا أخبركم بأشراط الساعة ؟ ... . فلم يلبثوا إلا قليلا حتى تخور الأرض خورة فلا يظن كل قوم إلا أنها خارت في ناحيتهم فيمكثون ما شاء الله ، ثم ينكتون في مكثهم فتلقى لهم الأرض أفلاذ كبدها ذهبا وفضة ، ثم أومأ بيده إلى الأساطين ، فقال : مثل هذا ، فيومئذ لا ينفع ذهب ولا فضة ، فهذا معنى قوله تعالى  " فقد جاء أشراطها" .)
    وكذلك في قوله تعالى في سورة الزلزلة ( وأخرجت الأرض أثقالها ) وقد تناولنا هذا الموضوع في كتاب عولمتنا .. وهو من الآيات ، لمن يريد الاستزادة .
    وأمام هذا الوضع وأمام قناعة الطواغيت بما هم مقتنعون به من قناعات راسخة هي من وحي إبليس لهم وأنفسهم الأمارة بالسوء ، كيف يستطيع أهل " الاعتدال " و التعقل ، أن يغيروا مسيرة التاريخ الذي يجري إلى ما قدره الله واخبر به و حذّر منه ، إذ يقول تعالى ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ*) . ولم يقل إن الفساد ظهر بأمر الله .
    ومن اجل ذلك نقول : إن فلسفة التاريخ في أعلى تجلياتها ، هي اكتشاف الأنظمة التي تجرى وفقها المقادير الإلهية ، وكيف قدر الله مسيرة التاريخ إلى قيام الساعة وظهور دين الله على الدين كله ، وانقضاء دولة الباطل ، التي ترى الناس في كل يوم من آيات الله فيها ما ترى ، ولا يلتفتون إليها ، فإننا نشهد ـ و نُشْـهِدُ الله على ذلك ـ نشهد بـ ( َأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ * ) .
    إننا عندما نعلم ذلك ونؤمن به ، نكف عن قتل بعضنا البعض من اجل الملك والسلطة ، والمكر والكيد في الانتخابات المزعومة ، فإنما يتقاتل المتقاتلون على عرش ملعون ، لا يجلس عليه احد إلا حلّت عليه اللعنة ، ولكم فيما تبصرون وتشاهدون ، عبرة لأولي الألباب ، وعندما نعلم ذلك نتعلم كيف نحتاط لكي ننجو من الهلاك  .
    فطوال اثنى عشر عاما من الحصار وقوانين العقوبات الدولية على العراق ، فان الأسواق والعملات في اضطراب شديد ، بسبب المراجعات التي تتم كل شهرين لمناقشة رفع العقوبات ، وعند كل اقتراب للأجل تضطرب الأسواق وتنهار العملات ويتدهور الاقتصاد معتقدين أن الحصار سيُرفع ، ولو أننا نعلم كيف قدر الله المقادير وان ذلك مستمر لاثني عشر عاما لابد منها ، عند ذلك نتعلم كيف نخطط .
    وعندما نعلم أن غزو العراق قدر مقدور وواقع في كل حال وفي الأجل الذي اشرنا إليه ، نتعلم كيف نواجه ، ونضع في حسباننا من أين سيأتي العدو من البصرة أم من الموصل ؟ ، وكم سيدوم ؟ عند ذلك نتعلم كيف نخطط .
      وفي حال عدم قيام الساعة وبقاء الدنيا على هذه الحال ، فان القرنين الخامس والثلاثين والسادس والثلاثين ، ستشهد سيناريو الأحداث التي نمر بها اليوم أثرا بأثر ويوما بيوم ، إن في ذلك لذكرى للذاكرين .
    وعندما تصبح أحداث السنة السابعة بعد الغزو واضحة لدينا ، وماذا سيجري فيها ، نتعلم كيف نستعد للمواجهة ، وكيف نتخذ الاحتياطات ، وكيف نحمي عيالاتنا ، وعندما نعلم كم يدوم ذلك ، عندها نتعلم كيف ننجو وكيف ننصر الله وكيف نكسب مرضاة الله ، ومن هو ولي الله لننصره  ومن هو عدو الله لنخذله .
    وعندما نعلم أن سبب التفجيرات الدموية الهائلة والمدمرة في بغداد ، هو أن الله سبحانه يقول للمؤمنين من أهلها : اخرجوا منها لأني سأجعل عاليها سافلها .
    عند ذلك نتعلم أن الخطط الأمنية ليست إلا أكذوبة ، وان إنفاق الأموال وهدرها ليست إلا سبيلا لمزيد من اتخاذ مال المسلمين دولا ، ودينه الله  دخلا ، و عباده خولا  ، فلتغني فيروز لـ ( بغداد والشعراء والصور) ، ولينشد الجواهري ( يا دجلة الخير يا أم البساتين ) ، ولكن الله الذي عنده علم القرون الأولى في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ، لم ينس ولن ينس دماء أولياءه وحججه على خلقه وخلفائه في الأرض ، أوصياء رسول الله صلوات الله عليهم ، التي سفكتها جبابرة هذه المدينة الظالمة ، وقد جاءها يومها الموعود ، فيا أيها المؤمنون من أهلها : لا تجاوروا قوما غضب الله عليهم ولعنهم و اعدّ لهم عذابا أليما .. إني لكم من الناصحين .
     وعندما نعلم أن شحة المياه  وانخفاض مناسيب الأنهار وإمساك السماء عن المطر ، هو قدر مقدور لثلاث سنين ، والسنة الثالثة هي أشدها ، عند ذلك نتوقف عن تقديم الاغراءات لتركيا وتقديم عروض عن مبادلة الماء بالنفط ورضوخ لشروط متعسفة ، ونستبدل ذلك بالصبر واتخاذ الإجراءات المؤقتة البديلة والسريعة لإنقاذ الناس .
    وعندما نعلم أن البصرة سيغرقها الله في السنة الظهور فلا يبقى إلا مسجدها كجؤجؤ طير في لجة بحر ـ كما قال الإمام علي عليه السلام ـ عند ذلك نتوقف عن إنفاق الأموال الطائلة على مشاريع الترف واللهو وبناء ملاعب دولية بمليارات الدولارات ، ونلتفت لما هو أهم مما ننقذ به الناس .
     وعندما نعلم أن سبب ( الصواعق في الأسواق ) كما في الروايات ، وهو التفجيرات الإرهابية في الأسواق ، وهو قدر مقدور ليس سببه الحقيقي استهداف اكبر ممكن عدد من الناس لقتلهم ـ كما هو التفسير الشائع ـ بل أن هذا القدر له سبب ابعد وأعمق من ذلك ، وهو الأصنام التي يصنعون لها العورات ويعرضونها في الأسواق ( كما جاء في الجفر عن أمير المؤمنين عليه السلام ) أي : الدمى الشبيهة بالنساء العارية ، ويلبسونها الملابس الداخلية للنساء وعرض الملابس الداخلية في الأسواق كالرايات الخفاقة ، دون أدنى حشمة ولا حياء ، وبسبب الربا في التعامل والغش في السلع ، وارتكاب الفواحش داخل المحلات وجعلها أوكارا للرذيلة والتعدي على حدود الله . فعندما نعلم ذلك ونتوب إلى الله منه ، ونتقي الله في حدوده وما حرمه من الفواحش ، يُرفع هذا العذاب ولا نعد بحاجة إلى فيالق من الحمايات و السيطرات الخائنة أو المتخاذلة ، ويعم الأمن في الأسواق بدفع الله و رحمته .
    وبعد أن ننقذ أنفسنا وننقذ من نستطيع من الناس ربما يمكن العودة إلى الجدل العقيم والقديم ، هل التاريخ مقدر ؟ أم نحن الذين نصنع التاريخ ؟
فانه عندما ينكشف السوء وينقضي البلاء ، فإن المبطلين بكل تأكيد سيعودون إلى إفكهم القديم ،  هذا إذا افلت هؤلاء من محرقة قيام الساعة ! ولا أظن ذلك .
     ولكن ذلك لا يفعله رجل مثلي لا حول له و لا قوة  ، وإنما يفعله من بيدهم مقاليد الأمور ، ولكن إذا كان من بيدهم مقاليد الأمور اليوم لا يسمعون ولا يعقلون ، ويتغايرون على الملك كما يتغاير المراهقون على فتاة لعوب ، فستجري الأمور بما قدرها الله : ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
 
                                         انتهى بحمد الله
 
 
 
 


  ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ   * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فلسفة التأريخ عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نظرية "التكوير والتكرير" / عامر الفيحان

مُساهمة من طرف Hamid في الأحد يناير 18, 2015 2:46 am

مصادر البحث
 
  * القرآن الكريم
 ([1])   البداية و النهاية ـ ابن كثير ، أبي الفداء إسماعيل الدمشقي ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت
(2)  تاريخ ابن كثير –  ابن كثير ، أبي الفداء إسماعيل الدمشقي ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت
(3) تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت
(4)  تاريخ الطبري ـ الطبري أبي جعفر محمد بن جرير ـ بريل ـ ليدن
(5)  شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ دار احياء الكتب العربية ـ عيسى البابي الحلبي
(6)  التحفة السنية (مخطوط)-  الجزائري ، السيد نعمة الله الموسوي  
(7)  نور البراهين – الجزائري ، السيد نعمة الله الموسوي ـ مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم
 ( 8  )  سير أعلام النبلاء - الذهبي ، شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت
(9)  التنبيه والاشراف- المسعودي ، أبي الحسن علي بن عبد الحسين بن علي
(10)  أخبار الزمان ـ المسعودي ، أبي الحسن علي بن عبد الحسين بن علي ـ دار الأندلس ـ بيروت
(1[1])  مونتسكيو ، السياسة والتاريخ ـ لوي التوسير ، ترجمة نادر ذكري ـ دار التنوير ، دار الفارابي ـ بيروت
(12) بوش ويوم الرب العظيم ـ شادي فقيه ـ دار العلم للطباعة والنشر ـ بيروت
(13)  فلسفتنا ـ محمد باقر الصدر ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت لبنان
(14)  المدرسة القرآنية ـ محمد باقر الصدر ـ أنصار الله للطباعة والنشر ـ النجف الاشرف .
(15)  الأنظار التفسيرية في تراث المرجع الكبير محمد صادق الصدر ـ إصدارات مؤسسة المنتظر (عج ) لإحياء تراث آل الصدر  .
(16)   ينابيع المودة لذوي القربى ـ الشيخ القندوزي سليمان بن إبراهيم ـ دار الأسوة للطباعة والنشر
(17)  شرح أصول الكافي- مولي محمد صالح المازندراني
(18)  المعجم الأوسط - الطبراني أبي القاسم سليمان بن احمد ـ دار الحرمين
(19)   مختصر بصائر الدرجات ـ الحلي حسن بن سليمان ـ المطبعة الحيدرية
(20)  كشف المحجة لثمرة المهجة-  رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسني
 (2[1])   فرج المهموم ـ رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسني ـ مكتب الاعلام الاسلامي
 (22)  إقبال الأعمال -  رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسني
 (23)   الكافي - الشيخ الكليني محمد بن يعقوب بن إسحاق ـ دار الكتب                         الإسلامية
 (24)   التوحيد- الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه ألقمي
 (25)   الاحتجاج ـ الطبرسي ، أبي منصور احمد بن علي بن أبى طالب ـ النجف الاشرف
(26)  وضوء النبي (ص ) - السيد علي الشهرستاني
(27)  تفسير الميزان – الطباطبائي السيد محمد حسين ـ جماعة المدرسين ـ قم..
(28)  الإمامة والحكومة- محمد حسين الأنصاري 
(29)   المستدرك – النيسابوري أبي عبد الله الحاكم ـ دار المعرفة ـ بيروت
(30) مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب مشير الدين محمد بن علي ـ الحيدرية ـ النجف الاشرف
(31)  الذريعة - آقا بزرگ الطهراني ـ دار الأضواء ـ بيروت
(32)  كتاب الفتن ـ المروزي نعيم بن حماد ـ دار الفكر ـ بيروت 
(33)  كنز العمال - المتقي الهندي علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت .
 (34)  بحار الأنوار ج 52  ـ العلامة المجلسي ، محمد باقر ـ مؤسسة الوفاء ـ بيروت
(35)  شرح الأخبار – القاضي أبي حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي ـ مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم
(36)  كشف الغمة – الإربلي ، علي بن عيسى بن أبي الفتح ـ دار الأضواء بيروت 
(37)  كتاب سليم بن قيس ـ سليم بن قيس الهلالي - تحقيق محمد باقر الأنصاري  
(38)   فتح الباري ـ العسقلاني  شهاب الدين ابن حجر ـ دار المعرفة ـ بيروت
 (39) وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي 
(40)   الدر المنثور في التفسير- السيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر ـ دار الفكر ـ بيروت
(41)   لسان الميزان -  العسقلاني  شهاب الدين ابن حجر 
(42)  ماذا قال علي (ع) ، الجفر الأعظم ، علي عاشور ـ فرصاد ـ طهران
(43)  جامع البيان - الطبري محمد بن جرير بن رستم ـ دار الفكر للطباعة والنشر .
(44)  إعلام الورى بأعلام الهدى - الشيخ الطبرسي 
(45)  دلائل الإمامة ـ  الطبري  محمد بن جرير بن رستم ـ مؤسسة الإمام المهدي (ع)   ـ قم المقدسة  .
(46)   مناقب آل أبي طالب - مشير الدين أبى عبد الله محمد بن على بن شهر آشوب
(47)  إلزام الناصب ـ علي اليازدي 
(48)   كتاب الغيبة- النعماني محمد بن إبراهيم ـ مؤسسة النشر الإسلامي 
(49)  اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي

(50)  فلسفة التاريخ في الفكر الإسلامي ـ د . صائب عبد الحميد ـ دار الهادي للطباعة والنشر 
avatar
Hamid

عدد المساهمات : 350
تاريخ التسجيل : 15/02/2014
الموقع الموقع : UK
العمل : Civil Engineer

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى